هشام عامر يكتب عن معركة الوعي 2

520

شكسبير أعظم وأروع من صور النفس البشرية من الداخل بكل أحوالها وتقلباتها واستطاع أن يظهر كافة المشاعر والأحاسيس الإنسانية من حب ، خوف ، طمع ، خيانة ، تملك ، سلطه ، أنانية كل هذا ظهر علي السطح في أعماله الأدبية العظيمة التي لم يجود بمثلها الزمان .
ولكن .. إذا أردت أن تتمعن في نفسٍ بشرية بنظرةً أخري فأنت علي موعد مع الأديب الكبيرإحسان عبد القدوس .
رغم أن أغلب كتاباته في البداية سياسية ودفع معها ثمناً غالياً في بداية الخمسينات حيث تم اعتقاله عام ١٩٥٤، لكن تربيته المختلطة بين التحرر – ثقافياً وأدبياً – علي يد والدته فاطمه اليوسف المعروفة بروزاليوسف صاحبة جريدة روزاليوسف وصباح الخير ، واختلاطه بطبقة المثقفين والأدباء والشعراء في صالون والدته الثقافي ، و بين جده لوالده الرجل الأزهري الملتزم بتعاليم الدين الذي كان يري ذلك الصالون مخالفاً للدين خلقت لنا شخصية متنوعه تلك التي استطاعت من خلال رواياته وكتاباته أن تدرك ذلك التنوع في نفوس أبطاله التي غالباً ما كان يصورها غارقة في الفساد الأخلاقي مع لمحه فلسفية لتصرفاتهم وأسبابها وليس الشيطان وحده هو السبب ، ربما كانت أفكاره التحررية هي السبب أو محاوله منه للإصلاح علي طريقة دق ناقوس الخطر بوجوده علي شاشات السينما حيث تم تحويل حوالي ٤٩ رواية إلي أفلام سينمائية علي سبيل المثال ( النظارة السوداء – الخيط الرفيع – أنف وثلاث عيون – البنات والصيف ) بعد أن كان يري أن المجتمع غارق في الشهوات والجنس والفساد الأخلاقي في كافة طبقات المجتمع فرغم الهجوم عليه أنه يركز علي الجنس في رواياته قال أن هذا واقع المجتمع ولست الوحيد الذي كتب في ذلك فسبقني إلي ذلك توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ولكن محفوظ – والكلام لإحسان – ركز علي الطبقات الشعبية ، أما أنا فلا أميز طبقة عن أخري ، وعندما اعترض الرئيس جمال عبد الناصر ( وقد كانوا أصدقاء قبل ثورة يوليو ١٩٥٢) علي رواية البنات والصيف التي بدأ بنشرها أواخر عام ١٩٥٨ في مجلة صباح الخير كمجموعة قصصية وعن العلاقة بين الرجل والمرأة التي يشوبها الجنس بنسبة كبيرة في الاجازات الصيفية ( المصيف ) كان رده أن هذا هو الواقع وربما أكثر من ذلك وأنه لا يكتب ذلك إلا أملاً في أن يجد لها حلول.
وحتي عندما كان يكتب الدكتور مصطفي محمود عدة مقالات في فلسفة الدين علي صفحات روزاليوسف .. أبلغه الكاتب محمد حسنين هيكل أن الرئيس والذي كان متابع و مهتم بأمور الثقافة والفكر و لكل ما يكتبه الأدباء والمثقفين يري أن تلك المقالات أثارت غضبه ويري الكثير أنها تدعو إلي الإلحاد وما كان من إحسان إلا أن يجعل رده في رسالة مكتوبة يخبر فيها الرئيس” أحب أن أرفع إلى سيادتكم رأيى فى هذا الموضوع، حتى أكون صارحكتم بكل شىء، إنى مؤمن بالله يا سيدى الرئيس .. لست ملحداً، ولعلك لا تعرف أنى أصلى، ولا أصلى تظاهراً ولا نفاقاً .. فإن جميع مظاهر حياتى لا تدل على أنى أصلى ، ولكنى أصلى لأنى أشعر بارتياح نفسى عندما أصلى».
وأضاف «رغم ذلك أعتقد أن ديننا طغت عليه كثير من الخزعبلات والأتربة ، والتفسيرات السخيفة التى يقصد بها بعض رجال الدين إبقاء الناس فى ظلام عقلى حتى يسهل عليهم استغلال الناس والسيطرة عليهم، فى حين أنه لو تطهر الدين من هذه الخزعبلات، ونفضنا عنه هذه الأتربة لصح ديننا ، وصحت عقولنا ونفوسنا ، وسهل على سيادتكم أن تسير بالشعب فى الطريق الذى رسمته له»
وأنه لم يجعل أحد يكتب في أمور الدين إلا الذي يثق أنه وصل من العلم والدراية والقراءة التي تؤهله للحديث في الدين .
تخيل أن هذه الرساله مر عليها أكثر من ستون عاماً واليوم أشبه بالبارحه ، وكأن شيئاً لم يتغير ومازال هناك من يريد السيطرة علي البسطاء بأمور وفتاوي دينية غريبة ، وهي لا تمت للدين بصله ويصدقونه ، وهم بعيدين كل البعد عن صحيح الدين ، والنتيجة خلط المفاهيم واختلاط الأمر عليهم ، ويصبح المجتمع في شتات ، والدين منهم براء.
سيبقي دور المثقفين هو توعية المجتمع و تربيته فكرياً وزيادة درجة الوعي والثقافة ، وتدريبه علي محاولة إعمال العقل الذي ميزنا به الله علي سائر مخلوقاته ، وأن نتعلم صحيح الدين وأن ندرك أن الله خلقنا لنعبده حق عبادةً .
إنّ معركة الوعي هي دائماً معركة كل العصور خصوصاً عندما يسيطر طيور الظلام علي العقول التي يتم تعطيلها عمداً بإسم الدين واختراع أشياء تفرق نسيج المجتمع ولا تجمعه ، ليس معني ذلك أن نكون مع التحرر والفساد الأخلاقي ، ولكن يجب أن يتحدث في الدين من يفقه في الدين ويستطيع أن يجمع الناس علي الدين الصحيح ، وأن يكون لأصحاب الثقافة الدور الأعظم في تصحيح مفاهيم المجتمع التي أصبحت في حاجة ملحة إلي تصويب ، فلا تتقدم أمّه إلا بالثقافة والفن والعلوم والآداب تلك هي الحضارة الحقيقية التي يبني عليها الحاضر وهي الطريق المضيء إلي المستقبل.
حفظ الله الوطن
شعباً .. جيشاً.. وتراباً

قد يعجبك ايضا
اترك رد

Your email address will not be published.