هاني بسيوني يكتب : كلنا مرضى

108

                                                                                                                                         كَـثُر الحديث بشدة بين الناس عن الانتحار خاصة بعد تكرار الظاهرة بشكل متصاعد خلال الآونة الأخيرة ، وكانت مشاهدة أغلب الناس لمشهد انتحار المهندس نادر  أمرًا صادمًا للجميع ، ومحركًا للمشاعر ، فوجدناهم فريقين   منهم من اتهمه بالكفر ، ومن وقف داعيًا له بالمغفرة…

بداية لا سامح الله من تعمد نشر هذا الفيديو لأنه انتهاك لحرامة الشاب ، وإيلام لأهله وأصدقائه بل ولمعظم أفراد المجتمع  … أضيف إلى ذلك الأثر الخطير في التحول السلوكي لبعض أصحاب الأمراض النفسية من خلال تلك المشاهدة التي ربما تساعدهم على تنفيذ مثل تلك المشاهد التي ترسخ في الأذهان ويكون لها أثار شديدة السلبية .

إن مجتمعنا للأسف الشديد يعترف بكافة الأمراض بداية من نزلة البرد إلي السرطان ، ويلجأ للطبيب المعالج ؛ ولكن لا يعترف بالمرض النفسي رغم قسوته ، وأثره البشع على حياة الإنسان.

 أيها السادة : إن أغلبنا للأسف لا يعرفون شيئًا عن المرض النفسي و بخاصة الاكتئاب ، وأثره على التفكير العقلي ودوره في اختلال وظائف العقل البشري ، وطريقة التعامل مع الأمور بميزان مختلف تمامًا عن تفكيرنا المنطقي الذي يقف خلفه قيمنا الدينية وثوابتنا الثقافية …

 فالمريض النفسي بالاكتئاب لا تنتزع منه تلك الثوابت ؛ ولكن لا يتعامل معها مثلما يفعل الشخص الطبيعي ؛ لأن الاكتئاب المرضي المزمن طويل الأمد يؤدي لضمور في بعض خلايا المخ والتهابات في القشرة الدماغية والجبهة  ، فيكون من أبرز تصرفات المريض  الرغبة في إنهاء الحياة بأي صورة لأنه يرى عدم جدواها ، ويفقد الأمل في تغييرها ، ويسيطر عليه اليأس من أن يفهمه الآخرون ، أويشعرون بشعوره ، فيصبح شديد الحساسية تجاههم ، ولا يريد أن يسبب لهم الضيق والأذى بوجوده بينهم   ، فيسيطر على تفكيره التخلص من حياته رحمة بنفسه ، وراحة للمحيطين به..

إنه يا سادة لا يكون قانطًا من رحمة الله ولا يكفر بأنعم الله عليه ؛ ولكن هذا المرض الذي لا نواجهه بالعلاج بمضادات الاكتئاب ،وبجلسات كهربائية تعيد للمخ توازنه من خلال التعامل مع الأطباء النفسيين المتخصصين ، فتكون النتائج كما نرى .. فهناك شباب مثقفون من أسر طيبة لا توجد الدواعي للإقبال على الانتحار  نراهم منتحرين …ولأن وسيلة علاجنا له  أن نلاطف مريضنا بكلمات طيبة مثل ( متخدش في بالك)  و ( الدنيا حالها كده)  و ( صلِّ أنت بس واستغفر ربك هتكون زي الفل)  لا يا أهل الخير كل الكلام الطيب لا يُجدي نفعًا ، ولا يُشفي مريضًا نفسيًا … والمفاجأة أننا جميعنا مرضى ولكن مع تفاوت درجة المرض وتأثيره علينا وعلى ردود أفعالنا وقراراتنا… 

إن الصحة النفسية أهم عامل من عوامل رقي الإنسان أو اندحاره وهذه الصحة النفسية لا نلتفت إليها في حياتنا ولا في حياة المحيطين بنا في كل مراحل حياتهم ، فنفقدهم وهم أحياء ، أونفقدهم بعد أن يقرروا هم مغادرة حياتنا…

دَرِسُوا الصحة النفسية في المدارس والمعاهد ..

واجه مرضك النفسي واختر طبيبًا.

لا تخشوا من الذهاب بأهليكم وأحبائكم لطبيب الأمراض النفسية..

لا تقولوا المريض النفسي مجنونً

ادعوا لمن فارقونا بالعفو والمغفرة فربك أعلم بهم وأرحم منا عليهم .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

Your email address will not be published.