«مقالة» | كمال جاب الله يكتب: 100 ثانية على «يوم القيامة» في اليابان

369

هذا العنوان المثير للهلع والرعب أذاعته يوم الجمعة الماضي الخدمة الدولية للهيئة الإعلامية العامة اليابانية، NHK، ضمن عدد من التقارير المقبضة حول: تهديد الأسلحة النووية، والأوبئة، والتغير المناخي، وغيرها، التي تعاني منها البشرية.

في اليوم نفسه، الذي قرأت فيه التقرير، ضرب زلزال قوي، بلغت قوته 6.6 درجة على مقياس ريختر، ومركزه على عمق 45 كيلو مترًا، مناطق غربي اليابان، وشعر السكان بهزات قوية في محافظات أويتا ومييازاكيوكوماموتو وكوتشي.

أيضًا، سرت في اليوم نفسه، حالة شبه طوارئ في العاصمة اليابانية، طوكيو، وفي 15 محافظة أخرى، في خضم اجتياح متحور أوميكرون من فيروس كورونا، وجرى تسجيل أكثر من 49 ألف حالة إصابة جديدة، في يوم واحد، في اليابان.

أعود للتقرير المنوه إليه في عنوان المقال، الذي أصدره عدد من العلماء، ويتضمن – ما أسماه – تقييمًا منبهًا لوضع البشرية حول العالم، وأعلنوا فيه – كذلك – أنهم يحتفظون بساعة “يوم القيامة” عند 100 ثانية حتى منتصف الليل!

المجموعة غير الربحية Bulletin of the Atomic Scientists أو “نشرة علماء الذرة” أنشأت ساعة “يوم القيامة” في عام 1947، لتوضيح مدى قرب البشرية من تدمير نفسها، بسبب تهديد الأسلحة النووية، وفي أوقات لاحقة، أضافت تأثيرات التغير المناخي، ومخاطر أخرى على كوكب الأرض.

وفقًا للتقرير، الذي أذاعته الهيئة الإعلامية اليابانية، “ضبط العلماء الساعة في هذا الوقت، وهو الأقرب إلى منتصف الليل، للسنة الثالثة على التوالي، وقالوا إن القرار يعكس وجهة نظرهم بأن العالم عالق في “لحظة محفوفة بالمخاطر”.

أشار أعضاء المجموعة إلى تهديد الأسلحة النووية في الولايات المتحدة وروسيا والصين، وأشاروا – أيضًا – إلى الطموحات النووية لكل من كوريا الشمالية وإيران.

كوريا الشمالية – وحدها – أطلقت ستة صواريخ فرط صوتية وتكتيكية، موجهة نحو بحر اليابان، في أربع وقائع منذ مطلع العام الحالي، مما أثار الرعب في المنطقة.

العلماء نوهوا إلى تفشي وباء كورونا، وأكدوا أن التوزيع العالمي للقاحات الفيروس انهار بشكل أساسي، وهو ما يدل على أن الاستجابة للجائحة كانت “غير كافية على الإطلاق”، وقالوا: “إن موجات الأكاذيب التي أتاحتها مواقع الإنترنت دفعت الكثيرين إلى تصديق رواية كاذبة”.

تزامنًا مع نشر تقرير ساعة “يوم القيامة”، جددت مجموعة ناجين يابانيين من القصف الذري نداءها الموجه إلى الحكومة اليابانية بالتوقيع على معاهدة للأمم المتحدة تحظر استخدام وتطوير وامتلاك الأسلحة النووية.

جاء ذلك في بيان أصدره اتحاد اليابان لمنظمات ضحايا القنابل الذرية والهيدروجينية، نيهون هيدانكيو، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمعاهدة حظر الأسلحة النووية، التي دخلت حيز التنفيذ في 22 يناير 2021.

تصف مجموعة الناجين من القصف الذري معاهدة الحظر بالخطوة الكبيرة نحو تحقيق آمالهم، في ألا يتكرر مثل هذا القصف، وألا يمر أي إنسان بما عانوا منه.

هنا وجبت الإشارة إلى أن رئيس حكومة اليابان، كيشيدا فوميو، يعود مسقط رأس عائلته إلى مدينة هيروشيما، التي اكتوت بالقصف الذري الرهيب، في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وفي محادثته الأخيرة مع الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أعرب كيشيدا عن نيته العمل لتحقيق عالم خال من الأسلحة النووية.

يحث بيان “نيهون هيدانكيو” الحكومة اليابانية على الانضمام بسرعة إلى المعاهدة، ويدعو إلى إنهاء الاعتماد على الردع النووي فورًا، والتركيز بدلا منه على التعريف بالجانب الوحشي للأسلحة النووية.

في الوقت نفسه، تنتقد مجموعة الناجين بيانًا مشتركًا أصدرته – في وقت سابق من الشهر الحالي – القوى النووية في العالم، ومن بينها، الولايات المتحدة وروسيا والصين، حيث قالت إن الأسلحة النووية يجب أن تؤدي فقط دور الردع ضد العدوان.

تصادفت قراءتي لتقرير العلماء عن ساعة “يوم القيامة”، وبيان الناجين من القصف الذري، “نيهون هيدانكيو”، مع استماعي لحلقة أذاعتها الهيئة الإعلامية اليابانية، نفسها، تتناول معايشة كاتب ياباني، هاندوكازوتوشي، لأهوال الحرب العالمية الثانية، وجرأته في نقل حقيقتها للأجيال التالية، لتجنب البشرية تكرارها.

خلال العقود السبعة الماضية حاول اليابانيون، الذين عايشوا الحرب، نقل فظائعها وويلاتها للأجيال التالية.

الكاتب هاندو من مواليد طوكيو عام 1930، وهو أحد الناجين من الحرب، ونشر العديد من الكتب والمقالات التي تتحدث عن الحرب ومآسيها خلال حياته، إلى أن توفي في شهر يناير من العام الماضي.

في شهر مايو من العام الماضي، نشر آخر كتاب للكاتب هاندو، وكان موجهًا للشباب، بلغته البسيطة، على وجه التحديد، وقامت حفيدته، كيتامورا جونكو، بدور المحرر.

من أشهر مؤلفاته كتاب يتناول وقائع الساعات الـ 24 المنتهية بإعلان إمبراطور اليابان الراحل، شوا، استسلام اليابان، في يوم 15 أغسطس عام 1945، وكتاب آخر يقدم وصفًا للمواجهة العسكرية بين اليابان والاتحاد السوفيتي في عام 1939.

السبب الذي دفع هاندو للكتابة عن زمن الحرب يعود إلى تجربته الشخصية، في صباح يوم 10 مارس من عام 1945، حيث نفذت الطائرات الأمريكية قصفًا كثيفًا على العاصمة طوكيو، أسفر عن وقوع أكثر من مليون إصابة وضحية.

الكاتب الراحل هاندو، الذي كان يبلغ من العمر نحو 14 عامًا، نجا حينها بأعجوبة من الموت، ويقول: “يجب أن نفكر ونعي لماذا بدأت اليابان هذه الحرب المزرية التي تسببت بحرق كل شيء، وانتهت بالاستسلام”.

حرص هاندو على إظهار التجارب التي عايشها اليابانيون العاديون خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما جعل كتاباته قريبة من الناس، وأصبحت له بصمته المميزة في تقديم الخلفيات الحقيقية للحرب، وبالذات، للقراء الشباب، لحثهم على السلام.

kgaballa@ahram.org.eg

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.