«مقالة» | كمال جاب الله يكتب: «تعظيم سلام» للمرأة الأفغانية

40

هذا العنوان كتبته نصًا على رأس موضوع مطول، تضمنه كتابي “بردًا وسلامًا على أفغانستان”، الصادر في يوم 30 يونيو من العام الماضي.

لم أكن أقرأ الغيب، وقتها، أن كابول سوف تسقط بهذه السرعة، وأن المرأة الأفغانية ستصبح هي الأشجع، في التصدي للظلام والقهر والتطرف الديني.

عبر البث المباشر لـ فضائية “طلوع” الأفغانية، شاهدت، على مدار الأيام الماضية، ثلاث مظاهرات احتجاجية حاشدة، تصدرتها -بـ بسالة- ناشطات وإعلاميات أفغانيات، وهن تصرخن، بأعلى الصوت، وتطالبن بالحفاظ على حقوقهن المشروعة في: التعليم والعمل، وفي المشاركة المتساوية، وبدون أي تمييز، مع الرجل الأفغاني، في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بصيرة طاهري، فرزانة كريمي، لينا حيدري، رابعة هروي، وأنيتا، ناشطات أفغانيات من مدينة هيرات الأفغانية الحدودية مع إيران، شاهدتهن على شاشة “طلوع” يوم الخميس الماضي، وهن تتحدين “هكسوس العصر”.

كنت قد رأيت بعضهن في مؤتمر الحوار الأمني الدولي، الذي استضافته تلك المدينة، بمشاركة وفد دبلوماسي وإعلامي مصري، والمئات من القيادات والخبراء الأفغان والأجانب، في شهر أكتوبر من عام 2018.

على هامش المؤتمر، وكما جاء في مقال لي نشرته “بوابة الأهرام”، بتاريخ 5 نوفمبر 2018، بعنوان: لأجل هبة ومريم.. أوقفوا ذبح أفغانستان، سجلت، وقتها، الحضور اللافت للمرأة الأفغانية، بدءًا من قيام امرأة بافتتاح المؤتمر بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، وتناوب العديد منهن في إدارة الجلسات، بتمكن واقتدار، وسط إجراءات أمنية لم أشهد لها مثيلًا، بقلعة هيرات التاريخية الحصينة.

رسالة الظهور المكثف للمرأة الأفغانية، التي أراد منظمو المؤتمر إيصالها، في ذلك الوقت، هي تأكيد جدارتها، وكفاءتها، وأهليتها في تحمل المسئولية القيادية، وإظهار عدم استعدادها للتفريط، بأي حال من الأحوال، في المكتسبات المدنية والحقوقية التي بلغتها على مدى عقدين.

في أثناء تناول الغداء بالمؤتمر، جرى، وقتها، حوار بيني وبين ناشطتين أفغانيتين، من مدينة هيرات، هما عزيزة ومنى، وقد قامت بشرح الصعوبات، والقهر الذي واجهته المرأة الأفغانية إبان حكم طالبان، سيئ الذكر والمظلم، حيث جرى إرغامهما، في الفترة من 1996 وحتى 2001، على ارتداء “الشادوري”، تحت شعار خلق بيئة آمنة، وللحفاظ على كرامة وطهارة النساء!!

روت السيدتان الأفغانيتان جانبًا من مظاهر القهر، ويتمثل فيما يلي:
من سن الثامنة لم يكن مسموحًا للنساء الأفغانيات أن يقمن بأي اتصال مباشر مع الرجال، ويمنع عليهن ارتداء أحذية ذات كعب عال، كما يمنع سماع الرجال خطواتهن، خشية الفتنة، ويمنع عليهن التحدث بصوت عالٍ في العلن، كل نوافذ الطوابق الأرضية والأولى لابد من طلائها وسترها منعًا لرؤية أي امرأة من خلالها.

أيضًا، منع ظهور النساء من شرفات منازلهن، منع تصوير النساء فوتوغرافيًا أو سينمائيًا، منع عرض صور النساء في الصحف والمجلات، تعديل أسماء الشوارع التي تتضمن أسماء لنساء، منع ظهور أو حضور المرأة الأفغانية في الإذاعة أو التلفزيون أو في أي تجمع!!

في زيارتي الثانية لأفغانستان، للمشاركة في أعمال منتدى دولي بعنوان: العلامة السيد جمال الدين.. رائد الحرية والتجديد، الذي انعقد لمدة يومين في شهر أبريل 2019، بالعاصمة كابول، كان حضور المرأة الأفغانية أكثر وضوحًا ولمعانًا.

فقد تلقيت الدعوة من وزيرة الثقافة الأفغانية، وقتها، حسينة صافي، والتقيت بأول امرأة تحصل على رتبة لواء مظلات في الجيش الأفغاني، هي: خاتول محمدزي.

الأكثر إثارة، جاء في ختام المنتدى، حيث شاركت المرأة الأفغانية في التمثيل بعرض مسرحي بديع عن العلامة جمال الدين، وسط تصفيق جمهور الحاضرين.

في حفل العشاء على شرف الوفد المصري الزائر، وقتها، الذي أقامه سفير مصر السابق في كابول، هاني صلاح، طغى حضور فاعل ومؤثر للمرأة الأفغانية، تتقدمهن السيدات: روميكا أحمد وملالاي زكريا وحسينة شيرجان.

أفغانستان التي تصدرت قائمة الدول الأكثر خطورة على المرأة، بالنسبة للاضطهاد الجنسي، وفقًا لما نشرته مؤسسة “طومسون رويترز فونديشن” الأمريكية، في تقرير يصنف دول العالم من حيث مدى الخطورة على النساء عام 2018، هي – نفسها – أفغانستان التي أنجبت سيدات لعبن أدوارًا مهمة في التاريخ الأفغاني، أمثال جوهر شاد، زوجة أمير شاروخ، والملكة ثريا، قرينة الملك أمان الله خان.

هذا الملك الإصلاحي، أمان الله خان، الذي تولى الحكم منذ أكثر من مائة عام، وبالتحديد في سنة 1919، أصدر أوامر ملكية تلزم الرجال بارتداء الملابس “الإفرنجية”، وقاد حملة مبكرة لتحرير المرأة الأفغانية وتحسين وضعها، وتحثهن على الخروج سافرات، وتخليصهن من ارتداء “الشادوري”، وهو رداء يغطي أجزاء الجسم، بما في ذلك اليدين، ويسمح بالنظر من خلال شبكة أمام العينين.
في التاريخ المعاصر، برزت السيدة حبيبة سرابي، التي عملت وزيرة لشئون المرأة، بالإضافة إلى عملها باللجنة العليا للسلام في أفغانستان، وتألقت السفيرة عادلة راز، نائبة وزير الخارجية، التي جرى تعيينها، لأول مرة في تاريخ أفغانستان، مندوبة دائمة ورئيسة للبعثة الرسمية بمنظمة الأمم المتحدة بنيويورك.
أيضًا، الأميرة نوال، من الأسرة المالكة الأفغانية السابقة، زوجة نجل ملك مصر السابق، أحمد فؤاد، والبرلمانية، قنصل أفغانستان العام في مومباي، زكية وردك، وسحر كريمي، رئيس المركز الأفغاني للسينما.
لقد تزامن صدور كتابي عن أفغانستان في 30 يونيو 2020، مع احتفال مصر بالعيد السابع لثورتها العظيمة ضد الحكم الإخواني، الديني المتطرف، وكان للمرأة المصرية دورا رائدا في تلك الثورة، التاريخية الملهمة.

عندما وقعت عيناي، على وجوه الناشطات والإعلاميات الأفغانيات: تريم سعيدي بهشته، سميرا خيرخواه، شبانه توانا، وكذلك: ثريا شريفي، أزيتا نظيمي، ورابعة، عبر فضائية “طلوع” الأفغانية، في انتفاضتهن يومي الجمعة والسبت الماضيين، بالعاصمة الأفغانية كابول، وهن تتحدين الغاز المسيل للدموع، والقهر المفروض عليهن باسم الدين، تيقنت أن عجلة التاريخ لن تعود – أبدًا – للوراء، وأن موطن ومسقط رأس، جمال الدين الأفغاني، رائد الحرية والتجديد، لا مناص ولا سبيل أمامه إلا في الانعتاق من الإرهاب والتطرف الديني، المقيت، إن عاجلًا أو آجلًا.
Kgaballa@ahram.org.eg

قد يعجبك ايضا
اترك رد

Your email address will not be published.