مقالة | الطبيب «ناكامورا تيتسو».. بأي ذنب قتل؟!

بقلم / كمال جاب الله:

126

تصر حركة طالبان، المصنفة إرهابية من جانب الأمم المتحدة، والعديد من دول العالم، على النكوص بوعودها وتعهداتها المنصوص عليها في اتفاق الدوحة لعام 2020، بأفعالها وبممارساتها المشينة، وهي تعود لسدة حكم أفغانستان من جديد.
مثال صارخ لما قامت، وتقوم، به، الحركة، على مدار الأسابيع الماضية، ينطبق تماما على قيام مسلحيها -المتعطشين للانتقام والدم- بمحو جدارية كانت تغطي أحد جدران المباني في العاصمة، كابول، تكرم الطبيب الياباني، “ناكامورا تيتسو”.
الدكتور ناكامورا كان قد ساهم لسنوات في إعادة بناء أفغانستان، وقتل برصاص إرهابيين، ينتمون إما إلى الحركة أو خرجوا من تحت عباءتها، بينما كان يتنقل بالسيارة في مدينة جلال اباد، شرقي أفغانستان، في شهر ديسمبر عام 2019.
الجدارية، رأيتها بعيني خلال زيارتي لأفغانستان عامي 2018 و 2019، ورسمها فنانون متطوعون أفغان، لإظهار أروع مشاعر الامتنان والعرفان للطبيب الياباني المغدور.
اللوحة التذكارية كانت تعرض ملامح وجه الدكتور ناكامورا، مزين بزهور الخوخ وبعلم اليابان، ومرفقة بـ قصيدة تتناول الأيادي البيضاء لملاك الرحمة الياباني، ودوره في انقاذ ما يمكن إنقاذه من حالة البؤس، التي مرت، وتمر، بها أفغانستان.
يوم الأحد الموافق 5 سبتمبر، قام “هكسوس العصر” بمحو وجه الدكتور ناكامورا والقصيدة وعلم اليابان، وكتبوا بدلا منها “تهنئة لشعب أفغانستان على استقلال البلاد”، وكتبوا – كذلك على جدران قريبة- عبارات مثل: “دولتنا هزمت أمريكا.. انتهاء الاحتلال وبدء الاستقلال”.
ما لحق بجدارية الطبيب الياباني المغدور، تكرر على واجهات محلات التزيين النسائية الأفغانية، حيث غطت صبغات سوداء أوجه صور النساء، كما أخفيت عيونهن وملامحهن خلف أوراق بيضاء، علاوة على ذلك، أزالت طالبان الرموز الغربية، بما فيها جدارية متعاطفة مع جورج فلويد، المواطن الأمريكي من أصول أفريقية، الذي لقي مصرعه على أيدي الشرطة.
الطبيب الراحل، ناكامورا تيتسو، ينتمي لمنظمة أهلية يابانية تحمل اسم “بيشاور كاي”، وقد تخصصت في تقديم المساعدات المادية للشعب الأفغاني، وتحديدا، في مجالات الرعاية الصحية والزراعة وحفر قنوات الري، ومقرها الرئيسي يقع بمدينة فوكوؤكا غربي اليابان.
بعد استشهاد ممثل المنظمة، ناكامورا تيتسو، منذ نحو عامين، واصلت “بيشاور كاي” أنشطتها في كل أنحاء أفغانستان، ولم تتوقف للحظة عن القيام بمهامها الإنسانية الجليلة.
حتى عقب سقوط كابول، من جديد، في أيدي طالبان، وبالرغم من شيوع مظاهر الفوضى، واصلت منظمة “بيشاور كاي” اليابانية أنشطتها، وقام أعضاؤها بحصاد محصول الليمون، إضافة للمهام المتعلقة بحفر قنوات الري والرعاية الصحية.
للتعرف على الأجواء بالغة الخطورة التي يعمل فيها ممثلو “بيشاور كاي” اليابانية تحت حكم طالبان، تكفي الإشارة إلى ما أعلنته المبعوثة الأممية إلى أفغانستان، ديبوراه لايونز، عن تعرض كوادرها للمضايقات والترهيب من قبل مسلحي الحركة.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ذكر في تقرير له يوم الجمعة الماضي أن أفغانستان باتت على شفا فقر شامل، وأن سيطرة طالبان على الحكم عرضت 20 عاما من المكاسب الاقتصادية المطردة للخطر.
أوضح التقرير أن الناتج المحلي الإجمالي الأفغاني يتوقع أن ينخفض بنسبة 3.6 بالمائة و 13.2 بالمائة في السنة المالية المقبلة، التي تبدأ في يونيو 2022، اعتمادا على شدة الأزمة، ومدى تفاعل العالم مع طالبان، مؤكدا أن أفغانستان ستواجه فقرا نسبته 97 إلى 98 بالمائة، علما بأن المعدل الحالي 72 بالمائة.
شيوع حالة الفقر إلى هذا الحد المدقع، دفعت بالمواطن الأفغاني “مير نظير” إلى الإعلان عن بيع طفلته، ذات الـ 4 سنوات من عمرها، مقابل 590 دولارا، لإنقاذ أسرته، المكونة من 7 أفراد، من الجوع، فيما عرض صاحب محل تجاري، لم يرزق بأطفال، شراء الطفلة مقابل 20 ألف أفغاني، أي 236 دولارا فقط، لتساعده في العمل.
المضايقات والترهيب لم يسلم منها السياسيون والصحفيون الأفغان تحت حكم طالبان، حيث يحتجز الرئيس الأسبق حامد كرزاي والرئيس التنفيذي السابق عبد الله عبد الله، مع العديد من الرموز، رهنا للإقامة الجبرية في العاصمة، كابول.
في الوقت نفسه، تعرض المصور نعمة الله نقدي وزميله المراسل تقي دريابي، للاعتقال واللكم والضرب بالهراوات والسياط، والصعق بالأسلاك الكهربائية، لقيامهما بتغطية احتجاجات عمت العاصمة، كابول، والمدن الأفغانية، ضد عودة الحركة للحكم.
وفقا لوكالة فرانس برس الإخبارية، قال المصور نعمة الله نقدي: “وضع أحد عناصر طالبان قدمه على رأسي، اعتقدت أنهم سيقتلونني”، مشيرا إلى إنهم اعتقلوا كل من كانوا يصورون واستولوا على هواتفهم.
أشار المصور نقدي إلى أنه عندما سأل عن سبب تعرضه للضرب، قيل له: “أنت محظوظ لأننا لم نقطع رأسك”!!
بدوره، قال المراسل دريابي: “كنا نتألم بشدة لدرجة أننا لم نستطع التحرك.. إنهم يروننا أعداء”.
حتى القبور لم تنج من أعمال الانتقام بأيدي مسلحي طالبان، حيث تعرض ضريح، يعد من أبرز المواقع الرمزية في بنجشير، للقيادي الأفغاني، أحمد شاه مسعود، للتدنيس والتحطيم، بالرغم من وعود الحركة بعدم الحاق أي ضرر به وحمايته.
هذه الأجواء المقبضة ليست غريبة على أفغانستان، في ظل تشكيل حكومة طالبانية، مريبة وغير معترف بها دوليا، بل إن بعض الأسماء التي تضمنها التشكيل مسجلة بقوائم الإرهاب الأممية المعلنة، أو أمضت سنوات بسجن جوانتانامو، سيئ الذكر، ومن أبرزهم:
سراج الدين حقاني، القائم بأعمال زير الداخلية، خير الله خير خوا، القائم بأعمال وزير الثقافة والاعلام، نور الله نوري القائم بأعمال وزير شئون الحدود والقبائل، وعبد الحق واثق القائم بأعمال رئيس الاستخبارات.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

Your email address will not be published.