مصطفى جمعه يكتب: لوحة «سريالية» رسمتها انامل تقطر آسى

56
 يقال ان الاقدار عندما ترضى على انسان تجعله يعيش اوقات مثيرة ، وانا لم اعيش اوقات مثيرة فقط بل ممتعة، احيانا كنت فيها شاهد على العصر ، وقي الغالب كنت مشارك كتلميذ اقف على شواطىء اللا زمن ارقب طلوع شمس من خلال اوراقي القديمة وصفحات دفاتري العتيقة ، لكي اهرب من واقعي خلسه الى الماضي البعيد علني اعانق ما تمنيت عناقه منذ زمان الصبا. حولت التماسك للخروج من وطأة اللحظات وصراع الشعور والواقع وانتقاله من مرحلة شعورية لاخرى، تقلبه من قمة لقاع تغادره مساء وهو يتابع غروب جرأته وحيرته وهو يصارع إملاءات لم يألفها مقارنا بين زمن عاشه بالايمان وزمن عاشه بالتصور وآخرعاشه بالحواس .
ولكن كنا دائما على يقين ان الزمن الذي يُخامرُنا في كلِّ مَوْقع و اوان ، ليس زمنُ الوطن الغالي ، انما زمن اللحظة فنحن نبت ارتوى مِنْ نبعِ مبادئِ صادقة غايتها مصر ، وقبَساتُ من نور دائما فيها الشهداءَ متلألئين تحتَ التراب تكللهم رياحين مِنْ صنفٍ يانع، شذيّ العبق.
هنا على اعتاب اللا زمن وأنا أطلع سلالم الوعي على شاطئ العجز والحيرة، كحلم تائه الخطوه يبحث في أشلاء زمانه عن ورقة طواها النسيان فاصبح صوره بلا عنوان.في زحمة الدروب وعتمات الوحشة ، وخيبات الأمل يحاول التملص من قبضة الحيرة والتعجب بين جملة من المتناقضات . ولعل ابرزها انني من الجيل الذي يعد اكثر الاجيال عذابا في تاريخ الامة واطولهم عمرا من حيث الاحداث التي عشناها وعاشتنا ،كتوأمٍ تجمعهما ملامح وتفرقهما أساليب ومعاني ولدت حالة جريان في الذاكرة جعلت التفكير، داخل تيار الوعي يكسر الحواجزَ الي الفضاءِ الرحب للذكريات، نستحضر خلالها الوجوهُ التي اسعدتنا والأسماء التي شرفتنا .
هنا على اعتاب اللا زمن رأيت زمننا الكثيف ، أصبح كئيب فارغ القيمة والمعنى ، اقرب الي لوحة سريالية ، ترسمها انامل تقطر آسى بريشة مدادها دموع على زمن لن يعود ، تباع بلا ثمن لكي تعلق على بقايا اعمدة النسيان وحوائط المدن المهجورة التي اختفت منها بفعل فاعل إشارة التمييز بعدما افتقدنا القدرة على التفريق بين طعم الحلاوة والمرارة. فبعدما كنا نستمع ونستمتع بام كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وشادية ونجاة الصغيرة وفايزة احمد ونستمع الي حديث الاربعاء لعميد الادب العربي الدكتور طه حسين ونقرأ العبقريات لفلتة الزمان والمكان العبقري عباس العقاد و غيرهم اصبحنا نستمع الي شعبان عبدالرحيم والي هيفاء وهبى ، الا اننا لم نستسلم او نسلم لهذا الواقع القادم من ضراوة الوهِن والعتمة.
وأنا على سلالم الوعي على شاطئ العجز والحيرة وقفت أتامل مشهد اللحظات الفاصلة ترقبا لما سوف تؤول اليه الامور بعدما وضعتنا الاقدار امام خيارين في معالجة ما نحن فيه، بعيدا عن القاء التهم الا وهما ، العاطفة أم العقل ، فإذا تعاملنا معه بالعاطفة سرعان ما نندم على سلوكنا. لأن العاطفة تزول و تبقى الحالة كما هي ,أما إذا عالجناها بالعقل، فإن الحلول التي في ثوب خطط يجب ان تتجاوز الانفعال الحاضر إلى رسم الصورة أو الخطة في المستقبل.
ويشغلني سؤال واحد دائما متى نعبر الي الغد ويكون هدفنا مصرنا بغض النظر عن الاسماء لان هي الباقية والكل الي زوال، ام يتكرر الموقف ولا نستوعب دروس الامس رغم كل ما يقال أن الذاكرة وطن شائك ولا مرجعية جمالية له أبعد من عمق الغوص في الاحداث والذكريات والمواقف والايام لنعيش نفس الحالة ونفس اللحظة ونفس المواقف وكأننا خلقنا فقط من اجل مواكبة الصراع بين الماضي الضبابي والحاضر المضطرب، بين الموروث والمكتسَب، بين الحُلم والرؤيا والكابوس، بين الصورة .
وانا في طريقي الي حيث اتساع الرؤية ، حاولت التملص من قبضة الحيرة والتعجب بين جملة من المتناقضات التي اصبحت لدينا قوالب ، ملأها القائمون على ادارة اللعبة وصاغوها في صور لا تناسب زمننا الكثيف بالعلم والتكنولوجيا حتى بات الوضع كئيب فارغ القيمة والمعنى ، يسوده الغموض وتختلط فيه بدرجة عالية من الجهل لغياب التدبروالتفكر ، فالاول يعني النظر في عواقب الأمور ومآلاتها واستشراف المستقبل وبناء الرؤية. والثاني التفكر اي النظر في دلائل الأمور وعلاماتها وشواهدها (الخلفيات) وصولاً إلى كشف حقائقها.”لذاتية والانعكاسات في عيون الآخرين التي نابعة من الداخل .
في كل الاحوال لا يهمني في الموضوع برمته الا مصر وطنَ العشقِ الساكن في الأحشاءْ ، والذي يجري حبها في عروقي نهرا وفي قلبي نبضا ،وفي اوردتي شعرا، وفي احساسي لحنًا .
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.