مصطفى جمعه يكتب: بوخارست مدينة الأساطير

83

وفي بوخارست شيء آخر، حيث تختلط الاساطير مع الحقائق الى حد انك لا تسطيع ان تفرق اذا كنت في «حلم او علم»، فهي كمدينة وليدة اسطورة الراعي «بوكور»، ونهرها دامبوفيتا الذي يشقها الى نصفين في دلال وسحر في اعماقه اسطورة، واجواؤها اسطورة، وفوق كل هذا لياليها حكايات ، ونهارها روايات، ولذلك ليس بغريب ان تسمى باكثر من اسم، فهي للاوربيين والاسرائيليين «لاس فيغاس» القارة البيضاء، وبالنسبة للعرب يسموها «مدينة الف ليلة وليلة»، ويطلق عليها اصحاب الخيال «مدينة الاساطير» لكونها هي الوحيدة من المدن الاوروبية التي نقل منها التاريخ 20 اسطورة، ويعتبرها للمهندسين المعماريين «متحف العمارة» لتنوع انماط عمارتها من 8 حضارات، وللشعراء والادباء بامتياز «مدينة الشعر الابدية» حيث كتب عنها اكثر من 120 شاعرا قصائد فاقت الـ 300 قصيدة وهو رقم قياسي.
وبوخارست تلك المدينة الآتية من زمن آخر تعد ايامه بالنجوم ، تبدو شاهداً على ثقافة كانت تولي الجماليات شأناً عظيماً. ففي حجارتها المنحوتة وفي واجهات أبنيتها الكثير من عطاءات الشعر. وهذه الهندسة المتقَنَة، الرفيعة المستوى، تخفي روح المدينة. حيث الفسيفساء البيزنطية المشتعلة بجمر الغروب، وهي صورة من الفن الإغريقي والذي يعد من أكثر فنون العصور القديمة بقاءً، فلقد كان لأعمال الفنانين الإغريق أثر دام لأكثر من ألفي عام حيث أبدع الإغريق في فن المعمار والأدب والنحت. فالمعابد والمباني العامة الإغريقية، بأعمدتها الجميلة الضخمة تحتل مرتبة متميزة بين الأبنية في بوخارست من حيث التصميم.. ولقد أبدع النحاتون في رومانيا على المذهب الاغريقي في نحت الأشكال البشرية من البرونز والرخام.
وهذا التاريخ الطويل ذو التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية ينعكس في كل زاوية من زوايا هذه المدينة ولذلك التجول فيها سياحة في عالم غني بثقافة وفن شعوب مختلفة الاجناس والاعراق يلتقون بين حنايا حدود مدينة وتربطهم الآمال المشتركة رغم انهم يحتفظون بتقاليدهم المتميزة ولغاتهم الخاصة به.
لا يزال يعيش ازدواجية التقاليد والاعراف الشرقية والغربية معا فهو لا يزال كريما عندما تحل ضيفا عليه وحتى في ايام العوز والشدائد وتلك خاصية عامة لهذا الشعب الكريم وبساطته وتواضعه الشديدين جعل من الاجانب خصوصا الطلبة الدارسين في جامعاتها يرتبطون بصداقات قوية معهم من وزيرهم الى صعلوكهم وقد تعجب الكثير ممن زار البلاد او اقام بين ابنائها من اجل الدراسة , التجارة او السياحة والاستجمام بسهولة العلاقات الاجتماعية والوصول الى العاملين في اعلى مرتبات الدول والحركة الفنية والثقافية في بوخارست التي كانت دوما مزدهرة حيث كانت ومازالت تسمى باريس الشرق ليس فقط للتشابة الكبير في اسلوب العمارة بين المدينتين لا بل ان الحياة الفنية كانت مزدهرة
وتبدو بوخارست في المساء أكثر من رائعة حيث تكون الخيارات مفتوحة لقضاء أمسيات حالمة، فكل وسائل الراحة والترفيه متاحة أمام الزائرين من دور للسينما والمسرح، ومدن الألعاب، والنوادي الليلية، ودار الأوبرا التي تُقدم الأعمال الكلاسيكية لكبار وعظماء الموسيقيين.
وبدعوة من السياحة الرومانية عاشت لحظات مثيرة ومدهشة في الاحتفالية التي اقامتها لكي تتلاءم مع كل اسمائها لكونها العاصمة التي ينطلق منها السائحون الى اي مدينة في رومانيا بل الى مدن اوروبا نفسها، وعملت على تنظيم برامج تجعل ايامها ولياليها احداث لا تنسى في اجندات زائريها، وبما انها مدينة المدن فكان التركيز على ابراز جوانب الجمال في شوارعها وبحيراتها وحدائقها وفنادقها ومتاحفها، وتفرد انواع اشجارها وتميز طرق بناء بيوتها وقصورها وكنائسها وطرقها وقناطرها، كجمال معماري يحاور تاريخا حضاريا حافلا. للمدينة التي تعرف بانها «أميرة أوروبا» فحتى وإن امتزجت فيها الحضارات فلا تزال تتمسك بعراقتها حيث تمتاز بأنها كبيرة ومتنوعة وبها ميادين فسيحة ومعارض ومتاحف ومقاهٍ، وفي مبانيها ترى فيها الأضداد مجتمعة فالعمارة الحديثة إلى جوار المبنى القديم، وحي الأغنياء ملاصق لحي الفقراء، علاوة على انها بها اكثر من آلاف وجه بفعل اختلاط الأجناس والثقافات في بوتقة سحرها الابدي فجاء الجمال الروماني كأنه منتخب من انوار دافئة واشعاعات حانية، وهي تسمح وتشجع تأكيد الفروق الفردية باستمرار، وللناس فيها طبائع متباينة بعضها ريفي والآخر مستورد من الخارج
ووضعت وزارة السياحة الرومانية برنامجا سياحيا يبرزها كمدينة الرومانسية والجمال والتي لاتنام فيها العيون، وايضا لكي تكون لاي زائر لها مدينة يفوح منها عبق التاريخ وملاحم الحب والحرب والسلام وتجسد حضارة عملاقة لها جذور بكل ما فيها من جمال وروعة للمكان والزمان، ومن اجمل البرامج التي شاركنا فيها رحلة الاسطورة في نهرها دامبوفيتا، حيث اعدت سفن تعيد للاذهان حركة النقل في القرون الوسطى وبالتحديد قبل 600 عام، عندما كان هذا النهر الذي يعد احد روافد النهر الاكبر الدانوب «بحر العواصم»، وحرص صناع السياحة في رومانيا على ان يعيش السائح عبر هذه الرحلة اجواء ما قبل 600 عام من خلال الوجبات التي ستقدم وملابس العاملين على السفن والاغاني التي كانت معروفة خلال هذه الحقبة. وتشاهد أنواع كثيرة من الطيور خاصة طيور البجع ذات الألوان البديعة.
واذا كان المصريون يؤمنون بأن من يشرب من ماء نهر النيل حتما سيعود إليه مرة أخرى، فإن سكان بوخارست يؤمنون الى حد اليقين أن من يرى نهر مدينتهم التي تعد صورة مصغرة من العاصمة الفرنسية باريس فانه حتما سيعود إليه مرات ومرات، فالنهر وما حوله لوحة طبيعية لا يضارعها جمال، فهو نهر طويل متعرج في بعض الأماكن، ينسدل عليها اللون الأخضر وكأنه عباءة من الحرير، وبين كل تلك المساحات الخضراء الشاسعة تجد طرقات متعرجة جميلة، تتحرك صعودا وهبوطا، الأمر الذي يجعلك تحس وكأنك تمشي في مكان لم يطأه بشر قبلك، وفي بعض المناطق تتفرع منه روافد صغيرة بشكل فني جميل، فتجد ألوانها متناسبة تماما مع ألوان الورود أو الأشجار أو حتى مياه النهر.
وتنتشر في أنحاء المدينة أشجار حور أبيض وصفصاف وأثأب هندي وأعشاب خضراء، ومصطبات أزهار ملونة وعطرية. ويبلغ اجمالي مساحة الحدائق والحدائق المفتوحة في المدينة 3500 هكتار. وفي كل الحدائق او في معظمها توجد تماثيل الملحنين والكتّاب والرسامين المشاهير الرومانيين والعالميين، وفي كل منطقة مسرح مفتوح وملعب رياضي وملعب للأطفال وغيرها من المرافق العامة.
فأينما تولِ وجهك ترَ الحسن والحسان وهن في غنجهن بغير تصنع، يسرن في الشوارع وكأنهن يمشين في الهواء بقاماتهن الفارعة ورشاقتهن التي تسلب الانظار، اما الوجوه فحدث ولا حرج، لا تجد معنى لصفة «قبيحة» في قاموس تلك البلاد.
ومن مسارح بوخارست يخرج زائر المدينة ليلاً بعد أن تكون انتهت الأمسية الموسيقية ولا تنتهي الموسيقى. حيث يرفقك هذا العزف العالي في كلّ مكان. من قصر إلى الجسر. ومن الساحات العتيقة إلى البحيرات المتناثرة كحبات اللؤلؤ فالمراكب العائمة قبالة الجزيرة المقابلة، يرتطم الماء بأطرافها، فيترنح كبندول الساعة غير عابئ بالوقت العابر
وبسبب موقع بوخارست الاستراتيجي ظلت على مدى تاريخها مكانا تنازعت عليه الامبراطورية العثمانية وروسيا القيصرية وغيرهما من القوى العظمى الأوروبية في الحقب التاريخية المختلفة. لان من يمتلك بوخارست يحصل على مفتاح دخول اوروبا.
وتطوَّق الغابات الخضراء والبحيرات مدينة بوخارست، وأجمل هذه البحيرات هي بحيرة «موغوسوايا» والتي يعبرها السائح لمسافة 14 كلم لزيارة أحد أشهر القصور وأجملها قصر موغوسوايا والذي بُني خلال القرن الثامن عشر، وايضا بحيرة الهيرسترو الذي يوجد على ضفافها متحف القرية. وهو أكبر متحف في الهواء الطلق في أوروبا عن حياة الفلاحين وملابسهم واكلاتهم وادواتهم وبيوتهم على مر العصور.
كما اعدت وزارة السياحة برنامجا رائعا بجوار صخرة دوكيا في جزيرة سناغوف التي تبعد 40 كيلومترا عن بوخارست لاعادة أسطورة العجوز دوكيا التي كانت من سكان بوخارست وبالتحديد في نفس المكان الذي ذكر في الاسطورة الاشهر في التراث الاوروبي كله والتي ترمز في الحقيقة إلى الصراع بين العامين القديم والجديد وتدور احداثها وكأنها حقيقة وسط أجوائها التقليدية وأحداثها اليومية المألوفة على شكل الصراع الأبدي بين الحماة وكنتها. وفقا للأسطورة.
حيث طلبت العجوز دوكيا من كنتها في أحد الأيام الأخيرة من ايام الثلج الذهاب إلى الغابة وقطف الفراولة رغم أن موسم هذه الثمار لايزال بعيدا، لكن وبمساعدة ساحر عجوز تلتقي به في الغابة تعود الكنة إليها بالفراولة… وحينئذ تعتقد دوكيا أن الشتاء انتهى فتجمع أغنامها وتتسلق الجبل معها بحثا عن المراعي الخضراء… ولكن مطرا باردا كالثلج ينهمر عليها في الطريق ثم يتحول إلى عاصفة ثلجية فتموت دوكيا وتتحول إلى كتلة من الصخر.
كما اعادت وزارة السياحة الى الاذهان العادات القديمة في مراسم الزواج وهي التي تسمى في التراث الروماني «دراغوبيتيه» وهي الكلمة المرادفة لإله الحب كوبيدون عند الرومان القدامى وأصله في تراث شعب الداك القديم أما اسمه الحالى فهو مشتق من كلمة «دراغوستيه» التي تعني الحب باللغة الرومانية وهو موسم ازدهار النبات وتكاثر الطيور وبناء الأعشاش، حيث يتجمع الشباب في مواكب ويذهبون إلى المرج أو الغابة ويقطفون زهور الربيع الرقيقة ثم يعودون إلى القرية أم الفتيات فكن يجمعن الثلج ويذبنه ويحتفظن بمائه ليغسلن به وجوههن في الأشهر المقبلة وخاصة في عشية الأعياد الكبيرة… وفي طريق العودة إلى القرية كان الفتيان يغازلون الفتيات تحت أنظار أوليائهم الذين كانوا ينتظرونهم عن حدود القرية ويتابعون الموكب باهتمام لمعرفة من يغازل من. قيل إن الفتاة التي لا يغازلها أحد في يوم دراغوبيتيه ستبقى وحيدة طيلة العام… ولذلك كانت الفتيات يستعددن ليوم دراكوبيتي بعناية فائقة وكن يرتدين فيه أجمل ملابسهن ويحاولن لفت انتباه الشباب وإن فشلن كن يعتقدن أن بعضهن مارسن السحر ضدهن.
ومحاولات احياء القديم وتجديده من خلال وسائل تقدم العصر لكي يكون منتجا سياحيا غير تقليدي يربط الازمان ماضيها وحاضرها ومستقبلها في لحظة واحدة من الممكن تضبطها على عقارب ساعة مصنوعة من كريستيان ديور او رموندويل او رادوا او اومجا لكن في كل الاحوال تبهرك بوخارست بجبروتها وقوتها الظاهرة. تذكّرك بالحصون والمنشآت العسكرية التي تتوخّى إظهار المكانة والسلطة، من العصور القديمة حتى اليوم. لان القوة الخفية التي تمتلكها بوخارست تشكل إحدى دعائم جمالها وسطوعها عبر القرون. ولذا فهي نموذج لنوع من المدن ما عاد موجوداً إلاّ في الذاكرة أو في الحلم، لكنه يبقى، على المستوى الجمالى والهندسي، من أجمل ما توصل إليه البشر في علاقتهم بالمكان الذين يعيشون ضمنه كأنهم يتسلقون الهواء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

Your email address will not be published.