مصطفى جمعه يكتب : باكو … «زمردة بحر قزوين»

138
ابتسمت الشمس على العاصمة الاذربيجانية باكو اللؤلؤة المتألقة التي تغازل سفوح جبال القوقاز الشامخة بـ«الموجام»، بعدما خرجت على استحياء من خلف الستائر الفضية للسحاب فرسمت أشعتها على وجه المدينة الخالدة حالة من الانتعاشة اعادت لنا تفاصيل الشتاء الذي نعرفه في بلاد الشرق من رائحة المطر واحساس الهواء وهو يراقص الامطار على سطح بياض شوارعها الناصع فكشفت عن مفاتنها وكأنها تريد ان تقول انا هنا لايحجبني مانع ولا يخفيني عائق فانا اقوى من الزمان بغاباتي السندسية وسمائي التي تشبه خيمة لازوردية عالية وشوارعي التي تحفها أشجار الزيتون والجبال.
و”باكو” زمردة بجر قزوين تحت عباءتها الخضراء تلتقي كل الديانات والحضارات والثقافات تتحاور في تناغم وتسامح لتثبت هويتها العالمية، كونها مدينة فريدة يجتمع فيها جنبا الى جنب لسنوات مسجد للمسلمين ومعبد للمجوس، والكنيسة الكاثوليكية والمعبد اليهودي وكنيسة الأرثوذكس وكنيسة البردشتان، في ظل تسامح رفيع يعلي وحدة قيم كل ديانة مع القيم الإنسانية العامة.
والعاصمة الاذربيجانية مثلها مثل كل المدن لها ذكريات وآمال أشكال وألوان وملامح وهويات، ولكنها لا تبوح مثلما يبوح البشر رغم انها هي امتداد لأعمار الناس وروح المكان تفرض على اهلها ان يكونوا متميزين، وتدفعهم لكي يستمروا في الأمل والعمل لان المدينة تتسع كلما اتسعت أحلام من يسكنها ورغم انها موغلة في القدم الا انها تدفعك الى التفكير في المستقبل ومن اجل ذلك يجب وانت تجول فيها ان تنصت لحديث ذكرياتها جيدا، وتبحث عن اشاراتها بين أزقتها، وعلى صفحات أرصفتها المنتشية بين أوراق الشتاء المكسو باثواب الثلوج.
وباكو مدينة تعكس خيال البشر في مدينتهم فمن الناس من يبني فيها مدينة من حجر، ومنهم من يبني مدينة من ورق، منهم من يبني مدينة من حب لانها ببساطة تتلاقح فيها العقول المختلفة، وتنسجم فيها الآراء المتنافرة، وتتلاءم فيها القلوب المتباعدة وتساعد على احترام الآخر، أيا كان لونه أو دينه.
وباكو مدينة متسامحة تفتح ابوابها للغرباء وتبتسم بادب في وجوه زوارها وتمنحهم اكلها ومشاريبها وهي كالنساء مجنونة لكن متآلقة بالبهاء، صامتة لكن حكيمة، صاخبة لكن متسامحة، جميلة لكن عاقلة، هكذا وصفها لسان حال الزمن
وفي كل مكان نزوره في باكو تجد خليطا من الملاح ولما لا فالتشكيلة القومية لسكان أذربيجان مئة قومية منها الروس والأرمن والجورجيون والداغستانيون واليهود والمسيحيون وغيرهم الأمر الذي أدى إلي أن مختلف الديانات والثقافات تتجاور وتحافظ على موقعها الفريد في التراث الإسلامي، حيث توالت الحضارات وحفر التاريخ في شوارعها اسماء سجلها بأحرف من نور في كتاب الحضارات.
على انغام موسيقى «الموجام» الذي تمتزج فيها الالحان العربية والفارسية والأذرية، و«الموجام» الأذري أخذ اسمه عن «المقام» العراقي لمشابهته الشديد .
وعشق الموسيقى في اذربيجان مجسد في متحف يحتوي على الآلات الموسيقية الأذربيجانية الشعبية مثل الكمان والربابة والدف والناي. ويحتوي المتحف على مقتنيات نادرة وفريدة مثل النوتة الموسيقية لمؤسس فن الموسيقى الأذربيجاني عزير حاجيبيلي والفنان بلبل الملحنين الأذربيجانيين الشهيرين قارا قاراييف، وفكرت أميروف ، كما ييضم مقتنيات شخصية وصور وكتب وبرامج ونماذج من الفن التصويري خاصة بالموسيقى الأذربيجانية
باكو متحف في فن العمارة والزخرفة الاسلامية بقيت رغم من كل محاولات الطمس التي تعرضت لها هذه البلدان في الحقبة الشيوعية ومنها مسجد طازه بير أكبر مساجد باكو وهو مقر الإدارة الدينية لمسلمي ما وراء القفقاس ومسجد سلماني الذي افتتح عام 1983 ومسجد محمد بن ابي بكر ويتكون من مبنيين احدهما قلعة دائرية والثاني قاعة مربعة صغيرة مع مدخل على شكل غرفة صغيرة لنزع الاحذية وعلى الواجهة الشمالية كتب بلغة عربية وبخط كوفي واضح «بسم الله الرحمن الرحيم بني هذا المبنى من قبل الاستاذ العرايس محمد بن ابو بكر في عام اربعمئة وواحد وسبعين هجرية (1078 ميلادية)، واطلق على المأذنة المبنية الى جانب المسجد «القلعة المكسورة» وذلك بعد ان تهدم الجزء العلوي منها في عام 1723 ميلادية، وتتكون الجهة الجنوبية للمسجد من طابقين هما قاعة في الأعلى وطابق ارضي (تسوية) منفصلين وتستخدم السفلى للنساء. وايضا مسجد الجمعة الواقع في البلدة القديمة بباكو بالقرب من القلعة التاريخية الشهيرة وهو قديم جدا واعيد بناؤه وترميمه اكثر من مرة كانت اخرها في بداية القرن العشرين حيث وضع الاهالي مخططا لبناء مسجد جديد مكان المسجد المتهاوي يكون كبيرا في حجمه على شاكلة مساجد المدن الكبرى مثل القاهرة واسطنبول تحيط به حديقة عامة وامام مدخله وتزرع الاشجار وتقام نوافير المياه.
ومن المساجد الى قصر آل شروان شاه هو اكبر معلم خلفه آل شروان شاه في اذربيجان ويضم قصرا ومقابر ضخمة وجامعا ومئذنة وغرفا اخرى كثيرة. وهو مطبوع على العملة المحلية في اذربيجان ويعتقد ان هذا القصر بني في مكان مقدس مخصص لعبادة الله على مقربة من قبر احد الصوفيين ويسود اعتقاد الى الان عند الاذربيجانيين بأن مياه الآبار داخل القصر لها قدرة على الشفاء من الامراض، القصر مشهور بتعدد الاشكال الهندسية التي تتداخل فيه وهو يضم عدة اقسام منها المبنى الرئيس المثمن الشكل، يتألف من طابقين تعلوهما قبة مزخرفة بأشكال متنوعة وكتابات عربية. ومقبرة آل شيروان شاه ذات شكل مستطيل تعلوها قبة مسدسة حفرت عليها اجمل الاشكال والزخرفات.
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.