كوبا: إدانة دولية للحصار الأمريكي الظالم

84

بقلم / كمال جاب الله 

باستثناء إسرائيل والولايات المتحدة، وبأغلبية 185 دولة ضد اثنتين، وللعام الثلاثين على التوالي، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدعو واشنطن إلى إنهاء الحصار التجاري والاقتصادي، الظالم، الذي تفرضه على كوبا منذ 60 عامًا.

باسم مجموعة الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي، ألقى مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير أسامة عبدالخالق، بيانًا داعمًا لقرار الجمعية العامة لإنهاء أطول التدابير القسرية الانفرادية مدة، وأكثرها خطورة، وتشتمل على ملاحقة الشركات والسفن التي ترسل إمدادات الوقود إلى كوبا، بالإضافة إلى الإدراج التعسفي وغير المبرر لكوبا في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

الحصار المفروض على كوبا، فرضه الرئيس الأمريكي الأسبق، جون كينيدي في عام 1962، بهدف الإطاحة بنظام الرئيس، فيدل كاسترو، ومنذ عام 1992، تقدم كوبا اقتراحا – كل عام – إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لإدانة وإلغاء الحظر التجاري، وتؤيد الغالبية العظمى من الدول وضع حد للإجراءات العقابية، خاصة دول أمريكا اللاتينية، كما رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته عن كوبا في عام 2008.

قرار كينيدي بفرض حظر “embargo” على كوبا جاء بنتائج عكسية، وقتها، حيث دعمت كوبا علاقتها بالاتحاد السوفييتي، واتفقا على وضع صواريخ في الجزيرة؛ مما أدى إلى حدوث أخطر أزمة عالمية، كادت أن تؤدي إلى نشوب حرب نووية بين موسكو وواشنطن، ولكن تفهم الطرفين، وخاصة الاتحاد السوفيتي، لخطورة الموقف، تم التوافق على حل يرضي الطرفين، تم تفكيك الصواريخ، مع ضمان عدم التدخل في الشئون الكوبية.

ظلت العقوبات الأمريكية قائمة، بل فرضت المزيد منها رغم انفرادها بقيادة النظام العالمي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، إذ قامت في عام 1992 بتطبيق قانون “هلمزوبيرتون”، الذي يمد العقوبات إلى الأطراف الثالثة المتعاملة مع كوبا، وكذلك تطبيق قانون “الديمقراطية الكوبية”، وينص على استخدام العقوبات “ما دامت حكومة كوبا لا تتجه نحو الديمقراطية”، ورغم ذلك ظل الموقف الكوبي كما هو.

تحت ضغط جماعات المصالح للمزارعين الأمريكيين، اتجهت الإدارة الأمريكية لتخفيف العقوبات، خاصة فيما يتعلق بالمواد الغذائية، ومثل عام 2014 نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات الكوبية- الأمريكية، مع إعلان الرئيس الأسبق، باراك أوباما، عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا، بل قام بزيارة كوبا، والتقى بالرئيس الكوبي آنذاك، راؤول كاسترو، وتم خفض مزيد من قيود الحصار.

في نهاية عام 2017، قام الرئيس الأمريكي السابق، ترامب، بإعادة القيود التي كانت مفروضة في الحظر على التجارة والسفن، وإضافة 243 إجراءً جديدًا، ومع مجيئ الرئيس جو بايدن إلى الحكم، فرض المزيد من القيود على كوبا، استجابة لضغوط لوبي فلوريدا، على الرغم من وعوده الانتخابية بتخفيض العقوبات.

الجمعية العامة للأمم المتحدة أعربت – في قرارها – عن أسفها لاستمرار الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي، الجائر، الذي ينتج عنه عواقب وخيمة على الشعب الكوبي، المكافح، داعية واشنطن إلى الوقف الفوري للإجراءات التقييدية ضد كوبا.

شبه الإجماع العالمي، الذي حظي به القرار الأخير للجمعية العامة، يؤكد أن الحصار الأمريكي ضد كوبا يمثل خرقًا فاضحًا لميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكًا فظًا لحقوق الإنسان الكوبي وللقانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، ذات الصلة.

المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية “Giga” أجرى حصرًا للعقوبات المطبقة دوليًا، كالتالي: الأمم المتحدة تطبق عقوبات على 14 دولة، الاتحاد الأوروبي 35 دولة، الولايات المتحدة 38 دولة ومنظمة.

أشار آخر تقرير للمعهد إلى أن “أقل من نصف العقوبات تنتهي بتنازلات من قبل الأطراف الخاضعة للعقوبات، ما يعني أن العقوبات أداة صناعة سلام متناقضة، ومثلها – مثل – التدخلات العسكرية يجب أن تدمج في إستراتيجية سياسية – دبلوماسية واقتصادية شاملة”.

حسب المعهد الألماني، كانت هناك نجاحات واضحة للعقوبات، مثل: إنهاء برنامج الأسلحة النووية الليبي (عقوبات 1978-2006)، إجراءات مكافحة الفساد ضد بلغاريا (2007-2009)، عقوبات الأمم المتحدة على الحرب الأهلية في ساحل العاج (2003-2016)، كما تعتبر العقوبات المفروضة على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في التسعينيات ناجحة أيضًا.

كندا والمكسيك وبنما وسويسرا فرضت إجراءات عقابية ضد حكومة الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات واسعة النطاق على كاراكاس منذ عام 2015، شملت شركة النفط المملوكة للدولة، لكن على ضوء أزمة الطاقة الحالية، جرى تخفيف بعض القيود، وأدت التدابير العقابية الغربية ضد فنزويلا، بهدف عزلها سياسيا، إلى جعل كاراكاس أكثر اعتمادًا على روسيا والصين، والنتيجة، لم يتحقق تغيير النظام.

لخص الخبير الأمريكي، ويليام ليوجراند، الحظر على كوبا بأنه أقدم وأشمل وأفشل عقوبات اقتصادية ضد أي دولة في العالم، مؤكدًا أن الحظر لم يحقق هدفه الرئيس وهو تغيير النظام الثوري في كوبا أو إخضاعها، كما وصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، جورج شولتز، هذا الحظر بأنه “مجنون insane”، بينما تذكر الحكومة الكوبية أن الهدف المعلن من العقوبات الأمريكية هو تغيير نظام الحكم، مما يعد تدخلا في الشئون الداخلية، بل يذهب البعض إلى القول بأن واشنطن تريد إجبار هافانا على أن تصبح كوبا جزءًا من الولايات المتحدة.

رغم كل التداعيات السلبية للحصار على الدولة الكوبية، إلا أنه حمل – من ناحية أخرى – بعدًا آخر يتعلق باعتماد الدولة على الذات، واستطاعت كوبا الصمود، وأصبح لديها تجربة مهمة وإنجازات يشاد بها دوليًا في مجالات توفير الاحتياجات الأساسية للمعيشة، ورعاية كبار السن والتعليم والصحة والرياضة ومكافحة المخدرات.

يرجع ذلك لإدارة الدولة الكوبية لكل أوجه النشاط الاقتصادي، من خلال التقشف في الاستيراد والاستهلاك، والاعتماد على تصدير السكر والنيكل، وتصدير خدمات طبية (أطباء وأطقم تمريض وأدوية وأمصال)، وزيادة صادراتها من منتجات البيولوجيا الحيوية إلى ما يقرب من 10 مليارات دولار سنويًا، فضلًا عن تحويلات الكوبيين في الخارج، وتنشيط حركة السياحة لكوبا لتصل إلى مليوني سائح سنويًا.

kgaballa@ahram.org.eg

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.