كمال جاب الله يكتب: من “أبوجا”.. إلى العاصمة الإدارية

بعد زيارتي للعاصمة النيجيرية الجديدة، أبوجا، تأكدت – بنفسي وأنا هناك – من الضرورة الحتمية للانتهاء، على وجه السرعة، من إنجاز مشروع عاصمتنا الإدارية الجديدة، مع الاستفادة القصوى من خبرات دول أخرى خاضت التجربة.

أربع ليالٍ أمضيتها بالعاصمة النيجيرية، أبوجا، في الفترة من 20 إلى 24 سبتمبر الماضي، لتمثيل جمعية أهلية مصرية، في مؤتمر شعبي إفريقي حاشد، تضامنًا مع جمهورية كوبا، الصديقة، ضد الحصار الاقتصادي الأمريكي الظالم.

لم تبعد عن خيالي – للحظة واحدة وأنا في أبوجا – الفرصة الذهبية، لرؤية كيف خطط ونفذ الأشقاء النيجيريون عاصمتهم الجديدة، على الطبيعة، وجنبًا إلى جنب، مع الاهتمام بموضوع المؤتمر، والمشاركة في أعماله، بقوة وحماس، يوازي القهر الذي يعانيه شعب كوبا، من سياسات أمريكية في غاية القسوة منذ 6 عقود.

بعد عودتي من أبوجا، شاءت الأقدار أن أقوم بأول زيارة ميدانية لموقع العمل والبناء في العاصمة الإدارية الجديدة، وتفضلت “بوابة الأهرام”، مشكورة، بنشر 5 مقالات لي بدءًا من يوم 6 أكتوبر 2019، حملت عناوين: “البرج الأيقوني مثل ابني”، و”هرم جديد في العاصمة الإدارية”، و”شهد شاهد من الصين للعاصمة الإدارية”، و”العاصمة الإدارية هي الحل”، وأخيرًا “ليلة صينية بألف ليلة وليلة بالعاصمة الإدارية”.

المعلومات العامة المتاحة عن أبوجا تقول إنها تجربة مهمة لمدينة جديدة وناجحة في إفريقيا، فهي عاصمة نيجيريا أكبر دول القارة عددا للسكان ( نحو 200 مليون نسمة)، وتقع في وسط البلاد، وهي من المدن الحديثة، المخطط لها أن تكون العاصمة، وقد تم البدء في إنشائها في الثمانينيات، وأصبحت عاصمة سياسية للبلاد، في 12 ديسمبر 1991، بدلا من العاصمة القديمة لاجوس.

في الوقت نفسه، تشير الخريطة إلى أن مدينة لاجوس هي أكبر مدن نيجيريا وغرب إفريقيا، وتقع في المنطقة الجنوبية الغربية من البلاد، وتعد إحدى أكثر مدن إفريقيا اكتظاظًا بالسكان، وكانت عاصمة لنيجيريا منذ استقلالها في 1960.

بعد سنتين من الاستقلال، ينسب إلى الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، توقعه وهو في زنزانته عام 1962، أن نيجيريا سوف تصبح رمزًا لنجاح قارة إفريقيا، وبعد خروجه من السجن في عام 1990، وما رآه من تطورات للأوضاع في نيجيريا، أعرب مانديلا عن خيبة الأمل!!

في السنوات الأخيرة، وبالتحديد في مارس 2015، تولى السلطة الرئيس محمد بخارى، وبدأت نيجيريا، تضع أقدامها على الطريق الصحيح، كما صدرت مؤشرات دولية متعددة تصنفها كـ دولة إفريقية نامية، وواعدة اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

سوف أخصص مقالًا لاحقًا، بإذن الله، عن قراءتي ومشاهداتي الميدانية للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في نيجيريا، وأعود للحديث عن مدينة أبوجا.

بعد رحلة طيران مباشرة، استغرقت 5 ساعات، من القاهرة إلى أبوجا، لا يشاهد فيها على الأرض إلا صحراء إفريقية جرداء، حلقت الطائرة فوق عاصمة نيجيريا، لأشهد- بعيني من النافذة- مدينة مخططة أفقيًا وحديثة، تقع على هضبة خضراء.

الترتيبات المستعجلة للمشاركة في مؤتمر التضامن الإفريقي مع كوبا، لم تسنح لي بتدبير مسبق من القاهرة لإصدار تأشيرة دخول نيجيريا، غير أن طريقة الاستقبال والمعاملة من سلطات مطار أبوجا الدولي كانت لافتة وفي غاية الرقي والتهذيب.

خدمة شبكة “الإنترنت” متاحة مجانًا في كل أرجاء مطار أبوجا، وبالتالي يمكن التواصل مع داخل نيجيريا وخارجها، بكل سهولة ويسر، وهذه ميزة قد لا تتوافر في أغنى مطارات عواصم العالم. في الوقت نفسه، كل موظفي المطار- بلا استثناء- يتحدثون اللغة الإنجليزية، حتى فيما بينهم، ويتصرفون مع ضيوفهم بأدب جم.

بعد دفع رسوم تأشيرة الدخول، وختم جواز السفر، مع غرامة مالية متوقعة، ومغادرة صالة الوصول، سألت المرافق النيجيري، محمد، الذي كان في استقبالي خارج المطار، موفدًا من منظمي مؤتمر كوبا، سألته: عن اللغة المفضلة للحديث؟

أجاب محمد: اللغة الإنجليزية طبعًا؛ لأن هناك قوميات متعددة تعيش في نيجيريا، أهمها: إيجو ويوروبا وهاوسا، وبالإضافة إلى لغات هذه القوميات الثلاث، يوجد أكثر من 300 لهجة، وكل واحدة – من هذه اللغات واللهجات – مختلفة تمامًا عن الأخرى.

من هنا، جرى اعتماد اللغة الإنجليزية لكي تصبح هي اللغة الرسمية وتلقي دروس التعليم المدرسي والجامعي بواسطتها في كل أنحاء نيجيريا.

في الطريق- الممتد لمسافة 40 كيلو مترًا- من مطار أبوجا إلى الفندق، في قلب العاصمة النيجيرية، شهدت على جانبي الطرق الرئيسية والفرعية المخططة – باتساع يتحمل مائة عام مقبلة – مناظر مبهجة، تظللها الأشجار والحدائق، والمباني السكنية والحكومية، المشيدة أفقيًا.

يتوسط قلب مدينة أبوجا، المسجد الكبير والكنيسة الوطنية، بالرغم من أن الحكم في نيجيريا يحرص كل الحرص في ممارساته اليومية للسلطة على إظهار الابتعاد – كليًا – عن سطوة التأثيرات الدينية والقومية في اختياره لمكان العاصمة الجديدة.

قبل الخروج من مطار أبوجا لم أنتبه إلى إجراء تحويل نقد أجنبي إلى العملة المحلية بأحد أفرع البنوك في صالة الوصول، هنا، أشار المرافق محمد إلى أن أمر التحويل في غاية السهولة واليسر؛ حيث ينتشر تجار عملة على جانبي الطريق، وقتها، كان سعر الصرف يبلغ 35 ألف “نيرة” مقابل كل مائة دولار أمريكي.

بعد قضاء الليلة الأولى، وأخذ الاحتياطات الواجبة، امتثالًا لنصيحة أصدقاء مجربين، لتجنب لسعة البعوض الناقلة لمرض الملاريا، استيقظت مبكرًا في الصباح، لأمارس هواية المشي في الممرات والحدائق الخضراء المحيطة بالفندق، وعند حلول موعد الغداء ذهبت – مع شقيقين عربيين- إلى مطعم بإحدى أسواق أبوجا الشهيرة، لأجد صوت فيروز يصدح بأغانيها المشوقة، وعبدالحليم يغني أهواك!!

Kgaballa@ahram.org.eg

0
التخطي إلى شريط الأدوات