كمال جاب الله يكتب: زمن الوريث العظيم “كيم جونج أونيزم”

113

مساء يوم الجمعة الماضي، تابعت مراسم إحياء الذكرى العاشرة بعد المائة لمولد مؤسس كوريا الشمالية، كيم إيل سونج، سبقتها بأيام قليلة، احتفالات حاشدة، جرت في العاصمة، بيونج يانج، بمناسبة مرور 10 سنوات على تولي الزعيم، كيم جونج أون، أعلى منصب في حزب العمال الكوري الشمالي الحاكم.

ترتيبات تصعيد كيم جونج أون، ونقل السلطة إلى الجيل الثالث من أسرة كيم، بدأت في عام 2009، حينما أصيب والده، كيم جونغ ايل، بجلطة دماغية، في عام 2008.

في يوم 19 ديسمبر عام 2011، تم الإعلان عن وفاة الزعيم الكوري الشمالي السابق، كيم جونغ إيل، وظهر اسم نجله، كيم جونغ أون، أولا، على قائمة لجنة الجنازة، وأطلق عليه “الوريث العظيم” من قبل وسائل الإعلام في كوريا الشمالية.

في 30 ديسمبر، أي بعد 11 يوما، جرى تعيين النجل، كيم جونج أون، في منصب القائد الأعلى للجيش الكوري الشمالي، وهي أول وظيفة عليا يتولاها، وقتها كان كيم جونج أون يبلغ من العمر 27 عاما فقط، ولم يُعرف عنه الكثير.

في بداية حكمه، ركز كيم جونغ أون جهوده على تعزيز صورته، كزعيم قريب من الشعب، وأظهر سلوكيات غير مألوفة، مثل: جلوسه القرفصاء على الأرض لاقتلاع الأعشاب، واصطحاب زوجته، ري سول جو، في جولاته، والحرص على مصافحة الجنود والأطفال والمواطنين العاديين، حتى إنه كان يمشي معهم متأبطا أياديهم. أيضا، حاول الزعيم الشاب تقليد صورة جده، مؤسس الدولة، كيم إيل سونج، في مختلف الجوانب، بدءا من تصفيف شعره قصيرا، وطريقة الابتسامة، وإعطاء التعليمات، والتلويح باليد، وارتداء الملابس.

سعى الحفيد لتمييز نفسه عن والده، كيم جونج ايل، الذي ألقى خطابا عاما، مرة واحدة، فقط، خلال فترة حكمه، التي امتدت إلى نحو 17 عاما.

تميزت السنوات الـ 4 الأولى من عهد كيم جونج أون بالقبضة الحديدية، ظهر ذلك في إعدام شخصيات ذات نفوذ، مثل عمه: جانج سونج تيك، وهيون يونج تشول، وأخيه غير الشقيق، كيم جونج نام، وإعادة ترتيب الحزب والحكومة والجيش.

في تقييمه لسنوات حكمه العشر، يقول الباحث بالمعهد الكوري الجنوبي للتوحيد الوطني، هونج مين: “إن كيم جونج أون، على عكس أسلافه، أظهر أسلوب حكم واقعيا وعاطفيا، يتميز بخطابات عامة غير تقليدية، ووضع إستراتيجيات تستهدف إدارة الدولة بطريقة طبيعية، وركز على أهداف عملية، مثل تطوير العلوم والتكنولوجيا وإنشاء اقتصاد قائم على المعرفة، واستخدم مصطلحات سياسية، من شأنها أن تروق للناس بسهولة، وبذل –بالفعل- جهودا كبيرة لتنفيذ هذه السياسات، وكقائد ودود للناس، استمتع بالاختلاط والانخراط في عروض عاطفية تجاههم”.

يضيف الباحث هونج مين: “عزز كيم جونج أون سلطته، بوتيرة أسرع بكثير من والده كيم جونج إيل، فهو يحمل جميع الألقاب الثلاثة كزعيم للبلاد، وهي: الأمين العام للحزب، ورئيس لجنة شئون الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة”، ويشير: “ما يهم هو كيف يمكنه الحفاظ على اللقب الرمزي: “المرشد الأعلى”، وكيف يمكن أن تعترف الأجيال المقبلة بإنجازاته، أيضا، يجب على الأشخاص من حوله بناء تقديس لشخصيته”.

أيضا، يشير الباحث إلى أن كيم منخرط –الأن- في بناء مصطلح “كيم جونج أونيزم”، فيما وصفته وسائل الإعلام المحلية بالمرشد الأعلى، مما يشير إلى أنه حصل على هذا اللقب بناء على إنجازاته خلال فترة حكمه المستمرة لعشر سنوات.

منذ توليه مقاليد الحكم، استطاع كيم ترسيخ قبضته على الدولة، وتطوير البرامج النووية والصاروخية، لكنه لم يتمكن من تحسين الوضع الاقتصادي، وكسر الجمود في العلاقات بين كوريا الشمالية، وكل من: كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

لكن بعد مرور 10 سنوات من توليه السلطة، صار الآن يطلق عليه لقب “القائد الأعلى” الذي كان محظورا على استخدامه إلا للزعيمين السابقين، كيم إيل سونج وكيم جونج إيل، وهو ما يشير إلى مدى متانة وصلابة قاعدة حكمه.

في عام 2018، عبر كيم جونج أون خط الترسيم العسكري إلى كوريا الجنوبية، ممسكا بيد الرئيس الكوري الجنوبي، مون جيه إن، وقام القائدان بجولة ودية عبر جسر للمشاة في قرية الهدنة “بان مون جوم”.

لا تزال تلك المشاهد محفورة في أذهان الكثيرين، ومنذ ذلك العام، عزز كيم صورته كزعيم لدولة طبيعية، من خلال عقد محادثات قمة مع رؤساء: كوريا الجنوبية، والصين، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الرئيس الفيتنامي، والرئيس الروسي.

في الماضي، طلبت كوريا الشمالية بإصرار إجراء محادثات ثنائية مع الولايات المتحدة، لكن الولايات المتحدة ظلت ترفض قائلة إن الحوار –نفسه- سيكون بمثابة مكافأة، ولكن الآن الولايات المتحدة هي التي تطلب الحوار بنشاط.

بعد مرو 10 سنوات على حكم كيم جونج أون، لا تزال بيونج يانج ترفض عرض الحوار الذي قدمته إدارة بايدن واقتراح سيول بإعلان إنهاء رسمي للحرب الكورية.

يقول الباحث من المعهد الكوري للتوحيد الوطني هونغ مين: “خلال مؤتمر حزب العمال الكوري الشمالي الحاكم في شهر يناير الماضي، طرحت بيونج يانج مبدأ القوة مقابل القوة، وحسن النية مقابل حسن النية، وهو ما يحدد الموقف الذي ستتخذه كوريا الشمالية في السنوات الخمس المقبلة.

كوريا الشمالية ترد بقوة على التدريبات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من خلال تجارب الأسلحة، وتهدف كوريا الشمالية إلى تطوير أسلحة إستراتيجية بطريقة لا رجوع فيها خلال السنوات الخمس المقبلة.

كما انتهج كيم جونج أون سياسات تهدف إلى التنمية الاقتصادية والنووية، وفي إطار جهوده لإظهار قدراته العسكرية، قامت بيونج يانج بإجراء 6 تجارب نووية، وإطلاق أكثر من 100 صاروخ بالستي، بعضها عابر للقارات، يمكنه أن يصل إلى أراضي الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه، قام كيم بتطبيق عناصر اقتصاد السوق على بلاده ضمن الجهود الرامية إلى توسيع الاستقلالية، ومنح حوافز للشركات، وتنشيط الأسواق المحلية، لكن مساعيه لتطوير البرامج النووية والصاروخية تسببت في زيادة العقوبات الدولية على كوريا الشمالية، مما أدى إلى عزلها عن المجتمع الدولي.

للتغلب على العقبات التي يواجها الاقتصاد الكوري الشمالي بسبب العقوبات الدولية، ركزت كوريا الشمالية جميع طاقتها على إنعاش الاقتصاد، وبدأت في إجراء حوار مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

نتيجة لذلك، عُقدت أول قمة بين كيم وترامب، في سنغافورة، ولكن كل هذه الجهود باءت بالفشل، بعد انهيار جولة القمة الثانية الأمريكية الكورية الشمالية في هانوي، مما زاد الطين بلة، إغلاق كوريا الشمالية حدودها لمنع انتشار فيروس كورونا، وتعرضها لكوارث طبيعية، مما أدى إلى معاناة الاقتصاد الكوري الشمالي من مشاكل متفاقمة صعبة الحل.

يقول عدد من المحللين إن السلطة المطلقة للزعيم الشمالي كيم جونج أون أصبحت أقوى خلال السنوات العشر الماضية، لكن الوضع الدبلوماسي والأمني والاقتصادي في كوريا الشمالية تحول إلى الأسوأ.

ويقول كبير الباحثين في المعهد الكوري الجنوبي للتوحيد الوطني جو هان بوم:
“عقد كيم ثلاث قمم بين الكوريتين في عام 2018، كما عقد قمة مع الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، مرتين، الأولى في سنغافورة في يونيو 2018، والثانية في هانوي في فبراير 2019، كما التقى كيم وترامب -لفترة وجيزة- في قرية الهدنة الكورية، بان مون جوم في يونيو 2019.

أيضا عقدت مؤتمرات قمة بين كوريا الشمالية والصين خمس مرات، وعقدت قمة بين كوريا الشمالية وروسيا مرة واحدة، في الواقع، لفت الزعيم الكوري الشمالي، المنعزل سابقا، الانتباه الدولي من خلال دبلوماسية القمة، والتي ظلت رغم ذلك مجرد عرض بلا مضمون، وعند الحديث عن النتائج الدبلوماسية، وصلت المفاوضات النووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة إلى طريق مسدود تماما، بينما وصل الحوار بين الكوريتين إلى طريق مسدود، أيضا.

بسبب العقوبات الدولية القاسية، فإن كوريا الشمالية لديها القليل من المساحة للمناورة الدبلوماسية.

على الصعيد المحلي، تزيد الصعوبات الاقتصادية من تدهور حياة الناس، وعلاوة على ذلك، ليس من السهل على كوريا الشمالية إدارة العلاقات مع إدارة جو بايدن، وبالتالي فإن الوريث العظيم، “كيم جونج أون” يشدد حاليا على الاعتماد على الذات، لتنفيذ خطة التنمية الاقتصادية الخمسية الجديدة، لكن آفاق هذه الخطة ليست مشرقة أبدا، وفقا لكبير الباحثين الكوري الجنوبي

kgaballa@ahram.org.eg

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.