كمال جاب الله يكتب : “ديك اليابان” يفوز بحكمها

62

بات في حكم المؤكد أن يصوت البرلمان الياباني اليوم على تعيين السيد كيشيدا فوميو رئيسا للحكومة، عقب فوزه بزعامة الحزب الحاكم، وتتعلق الأنظار على ما سوف تسفر عنه الانتخابات النيابية العامة، المقررة في 28 نوفمبر المقبل.

في الجولة الأولى من عملية التصويت، التي جرت الأربعاء الماضي، لاختيار رئيس جديد للحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني، خلفًا للسيد سوجا يوشيهيدي، الذي استقال لتراجع شعبيته، فاز كيشيدا على منافسه كونو تارو بفارق صوت واحد.

في جولة الإعادة، حقق كيشيدا فوزا ساحقا، 257 مقابل 170 صوتا، بفضل تأثير نفوذ الزعيم آبي شينزو، الذي لم يدعم، بشكل علني، كيشيدا، غير أنه ساند مرشحة منافسة -تاكائيتشي سانائي-كانت مدعومة من جانبه، للتصويت لـ كيشيدا.

الزعيم الياباني الجديد، كيشيدا فوميو، من مواليد “برج الديك”، وفقا للأبراج الصينية، التي تعتقد في مدلولاتها العديد من شعوب ودول أسيوية، وتؤرخ لسنة ميلاده (1957)، وتحدد الأبراج صفات كل شخص تقريبًا، وتقرأ في كف مستقبله.

على عكس ما تردد عن كيشيدا، قبل -وبعد- فوزه بزعامة الحزب الياباني الحاكم، بأن صورته العامة باهتة وغامضة، يتصف مواليد “برج الديك” بأنهم: قادرون على تحمل الصعاب، مسئولون وناجحون، يتميزون بدقة التفكير والاطلاع الواسع، يفرضون احترامهم على الآخرين، واضحون وقنوعون، وبارعون ومنظمون.

هذه الصفات الحميدة تنطبق على شخصية كيشيدا، تماما، بدليل: فوزه 9 مرات بمقعد في مجلس النواب عن دائرة هيروشيما، تولى منصبي وزير الخارجية والدفاع لمدة 5 سنوات (2012-2017)، رئاسة مجلس الأبحاث السياسية، لأطول مدة في تاريخ الحزب الياباني الحاكم، بالإضافة إلى انتمائه لعائلة من السياسيين، وارتباطه بصلة قرابة لرئيس حكومة ياباني أسبق، ميازوا كيتشي (1991-1993).

المثير للدهشة أن رجلا بهذه المؤهلات، الشخصية والسياسية الواسعة، سقط في المنافسة على رئاسة الحزب، وبالتالي، رئاسة الحكومة أمام سلفه، سوجا، الأكثر غموضا والأقل حظوة لدى الرأي العام، في انتخابات جرت العام الماضي، خلفا للزعيم الكاريزمي، آبي شينزو، الذي حقق رقما قياسيا في الحكم (9 سنوات).

تغلب كيشيدا على منافسه كونو تارو، التي كانت ترجيحات واستطلاعات الرأي العام تصب، جميعها، في صالحه، حتى اللحظات الأخيرة من عملية التصويت. ولأنها اليابان، بلاد الشمس المشرقة، وفي الوقت نفسه، موطن أعتى الزلازل والبراكين والأعاصير، عصية التنبؤ، فكل شيء وعكسه وارد، حتى في السياسة.

فماذا ينتظر الرئيس كيشيدا، من لحظة توليه اليوم، وحتى 28 نوفمبر المقبل؟

تبلورت الحملة الانتخابية لـ كيشيدا تحت شعار “بناء المنظومة الطبية والاقتصاد”.

بالتالي، فقد صرح كيشيدا، فور إعلان فوزه، بأن هدفه الأساسي سيتركز في مواصلة العمل الجاد على مكافحة فيروس كورونا، مع تبني خطة تحفيز للاقتصاد وتشجيع الطلب، بعشرات التريليونات من الين (نحو 90 مليار دولار) بحلول نهاية العام الحالي، 2021، وتضييق الفجوة الكبيرة في الدخل، لدعم الطبقة المتوسطة.

حسب تحليل قيم نشرته صحيفة “ماينتشي شيمبون” للكاتب الصحفي “أويكاوا ماسايا”، يتبنى كيشيدا الإجراءات، التي تضعه على يسار التيار الوسطي قليلاً. يرى كيشيدا أن اليابان بحاجة إلى التحرر من السياسات “النيوليبرالية”، التي سادت منذ إدارة كويزومي جونئيتشيرو ( 2001-2006)، واتخاذ خطوات لتعزيز ثروات الطبقة المتوسطة في اليابان، من أجل تصحيح فجوات الثروة التي اتسعت خلال جائحة كورونا.

من ناحية، يواصل كيشيدا الإعراب عن دعمه القوي للركائز النقدية الجريئة والمرنة والموجهة نحو النمو للسياسة الاقتصادية، لـ شينزو آبي (2006–2007، 2012–2020)، في الوقت نفسه، يعترف بأنه كانت هناك حدود لما يمكن أن تحققه “فورة” عمليات شراء الأصول الضخمة وأسعار الفائدة المنخفضة للغاية، وأن اليابان لم تشهد أي تأثير “تسلسلي”، يصل إلى الموظفين المتوسطين، بعد تمديد الفوائد الحكومية للشركات.

بالتوازي مع ذلك، وفيما يتعلق بسياسة النمو المستقبلية، ينصب تركيز كيشيدا على المجالات الرقمية وغيرها من المجالات التكنولوجية، لذلك من المتوقع أن تتجه خطة التحفيز “المليارية” نحو العلوم والتكنولوجيا.
على صعيد السياسة الداخلية، يسعي كيشيدا لضخ دماء جديدة في مناصب المستويات العليا بالحزب الحاكم، في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين بشكل عام.

تصريحات كيشيدا، والإجراءات التي اتخذها فور إعلان فوزه، تعرضت لانتقادات واسعة من قادة أحزاب المعارضة، وفي مقدمتهم، زعيم الحزب الدستوري الديمقراطي، إدانو يوكيو، الذي ذكر أن تشكيلة القيادة الجديدة للحزب الليبرالي الديمقراطي، تثبت أن الحزب غير قادر على التغير “لن ولا يستطيع أن يتغير”.

فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، قال كيشيدا: “سأقدم 3 التزامات للدبلوماسية والأمن، إنني مصمم على حماية الديمقراطية والقيم العالمية الأخرى، وحماية سلام واستقرار اليابان، وحماية مصالحنا من خلال تعزيز حضور اليابان في المجتمع الدولي، بالإسهام في حل التحديات البيئية والعالمية الأخرى، وسأقوم بتنفيذ السياسات الخارجية والأمنية، استنادا إلى هذه الالتزامات، وتحقيق حرية وانفتاح منطقة المحيطين الهندي والهادئ”.

وفقا لتحليل الكاتب الياباني، أويكاوا ماسايا، سوف يتطلع كيشيدا-أيضًا- إلى التخلص من صورته “الحمائمية” تجاه الصين، ومن المرجح أن يمضي قدما في”مواجهة القوة بالقوة”، وتعزيز سلطة خفر السواحل الياباني.

وفي أعقاب فشل اليابان الأخير في إخراج موظفيها المحليين من أفغانستان، سوف يدرس كيشيدا طرقًا لتعديل قانون قوات الدفاع الذاتي ليتمكن من إرسال الأفراد عند الضرورة بشكل أسرع، ومن المتوقع أن يدفع -بقوة- باتجاه نزع السلاح النووي بشبه الجزيرة الكورية.

ختاما، فإن أكثر وصف أعجبني، ويهمنا، عند تحليل شخصية الزعيم الياباني الجديد، وقد أبداه لي أحد الدبلوماسيين المصريين، المرموقين، قائلا: “كيشيدا أكثر أمريكاني من بين السياسيين اليابانيين، و”ملوش” في الشرق الأوسط”.

kgaballa@ahram.org.eg

قد يعجبك ايضا
اترك رد

Your email address will not be published.