كمال جاب الله يكتب: احتفال متميز يليق بالصداقة المصرية – الصينية

216

يوم الإثنين الماضي، الموافق 30 مايو، اختارت جمعية الصداقة المصرية-الصينية بالقاهرة، موضوعًا متميزًا، ومهمًا، حمل عنوان: مبادرة الحزام والطريق وأفاق تنامي العلاقات، للاحتفال بمرور 66 عامًا على إقامة العلاقات الرسمية بين البلدين.

شارك في الندوة، التي استمرت ساعتين، وعلى مدار جلستين، نخبة من الخبراء والأكاديميين والدبلوماسيين، وفيما يلي أهم العناوين التي جرى التركيز عليها:

أفكار حول آفاق التعاون المصري-الصيني في ضوء القمة العربية-الصينية المقبلة، دور مبادرة الحزام والطريق في تنمية وجود الشركات والاستثمارات الصينية في مصر، الاستثمار المصري-الصيني المشترك في مجال الإنتاج والتصنيع الزراعي، التعاون في مجالات الطاقة والهيدروجين الأخضر وقمة المناخ.

أيضًا، جاء في عناوين الندوة: أفاق التعاون السياحي بين مصر والصين، التعاون الإعلامي بين مصر والصين، مبادرة الحزام والطريق وسبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية في إطارها، رؤية التعليم المهني والفني في مصر وأفريقيا في ضوء المبادرة، وأخيرا، رؤية الرئيس الصيني حول الأمن والتنمية العالمية.

العناوين التي تضمنها موضوع الندوة تتحدث عن نفسها وثرية ومثيرة للاهتمام، وكذلك المتحدثون، وفي مقدمتهم السفراء: أحمد والي، لياو ليتشيانج، وعلي الحفني. والأكاديميون: ماهر والي، ناصر عبدالعال، وإسراء عبدالسيد حسن، والخبراء: أحمد قنديل، يانج شياو جونج، يوسف جانج، بسام شياو، وضياء حلمي.

ما أود أن أضيفه، في هذه المناسبة، سوف يتركز على بعد تاريخي يلقي أضواء جديدة، بخصوص عمق وتطور العلاقات بين مصر والصين، على مر العصور.

بمناسبة مرور 65 عامًا على إقامة العلاقات المصرية- الصينية، صدر لي كتاب في الأول من شهر أكتوبر الماضي (2021) بعنوان: علامات استرشادية لشراكة إستراتيجية، وفي صفحة 92، من الكتاب، ذكرت أن العلاقات بين شعبين وحضارتين عريقتين تعود بجذورها لأكثر من 3 آلاف سنة.

تاريخيًا، ورد اسم مصر، ومدينة الإسكندرية، في بعض السجلات الصينية القديمة، التي أشارت إلى أن ربط طريق الحرير العربي وطريق الحرير البحري بين مصر والصين لم يكن تجاريًا واقتصاديًا فحسب، وإنما ربط بينهما ثقافيًا وفكريًا وعمليًا.

وفيما يتعلق بتطور العلاقات الرسمية بين مصر والصين في العقود الأخيرة، أنقل هنا بعض التفاصيل الجديدة (على الأقل بالنسبة لي) كتبها الوزير المفوض التجاري المرموق، أيوب محمود أيوب، ونسبها –مشكورًا- إلى مصدرها، الزميل الكاتب الصحفي القدير، سعيد الشحات، وجاء فيها:

كان الوقت ظهرًا يوم 16 مايو 1956، حينما استقبل رئيس مجلس وزراء الصين، شوين لاي، رئيس مكتب مصر التجاري في الصين الشعبية، محمد مدحت الفار، لإبلاغه اعتراف مصر بالصين.

كان رئيس مجلس الدولة الصيني، شوين لاي، أول من استقبل ذلك القرار في اليوم نفسه من إعلانه بالقاهرة، ورحب به أجمل ترحيب، حسبما تذكر زينب عيسى عبدالرحمن في كتابها: العلاقات المصرية الصينية -1956-1970.

تضيف: أصبحت مصر الدولة الثالثة والعشرين المعترفة بالصين الشعبية، والأولى عربيًا، وتشير إلى أنه كان للقرار صدى عالمي وعربي هائل، ورأت أمريكا أن القرار عمل لا يغتفر.

يؤكد الكاتب الصحفي الراحل محمود عوض: كان القرار في حينه سباحة عنيفة ضد التيار العاصف وتجاوزًا للخطوط الأمريكية الحمراء، ويوضح (في مقاله مصر والصين–سلامات- جريدة الحياة-لندن-18 ديسمبر 2010): الولايات المتحدة -بعد استيلاء الشيوعيين على السلطة في الصين سنة 1949- رفضت الاعتراف بالصين الجديدة، مقررة أن الصين بالنسبة إليها هي فورموزا- تايوان، وأن الجزيرة الصغيرة تمثل شعب الصين، بل وتحتل مقعد الصين الدائم بمجلس الأمن الدولي.

بالطبع كان المشهد عبثيًا إلى أقصى حد- وتلك كانت سنوات الحرب الباردة – لا وجود للصين إلا باسم فورموزا، وعلى أصدقاء أمريكا التزام هذا التصنيف لأن أي اعتراف بالصين الجديدة، الصين الحقيقية، هو عمل عدائي ضد المصالح الأمريكية.

سبق خطوة الاعتراف، علاقة بين جمال عبدالناصر وشوين لاي، وحسب محمد حسنين هيكل في كتابه عبدالناصر والعالم، فإن الإثنين اجتمعا للمرة الأولى في «رانجون» عاصمة بورما، عندما كان في طريقهما إلى باندونج لحضور مؤتمر دول الحياد الإيجابي في 18 أبريل 1955.

ويضيف: كان الصينيون حريصين كل الحرص على إجراء هذا الاتصال مع عبدالناصر، فقد كانت مصر–عبد الناصر بدأت تبرز كزعيمة للعالم العربي، وكان الصينيون يرقبون عن كثب مسلك مصر، لأن موقف مصر من الصين كان يعني موقف منطقة بأسرها وليس موقفها وحدها.

عندما توقف عبدالناصر في نيودلهي لاصطحاب نهرو، رئيس مجلس وزراء الهند، طلب السفير الصيني في العاصمة الهندية أن يقابل شوي لاي، وقبل عبدالناصر بسرور، معتقدًا أنهما سيجتمعان في باندونج، ولكن عندما هبط عبدالناصر ونهرو من طائرتهما في رانجون، وجدا شوين لاي في انتظارهما في المطار.

قام نهرو بمهمة التعريف قائلًا: هل أحتاج إلى أن أعرفكما ببعضكما أو إلى تقديم كل منكما إلى الآخر، وكان يومًا قائظ الحر، وقف الثلاثة بعض الوقت يشربون عصير جوز الهند الطازج، والناس يمطرونهم برذاذ الماء المعطر، احتفالًا بعيد “شان جان” أي مهرجان المياه البورمي.

خيل إلى الحاضرين –آنذاك- أن شوين لاي كان يتطلع إلى عبدالناصر ببعض الإعجاب، وفي مساء ذلك اليوم، عقد الزعيمان المحادثات التاريخية الحاسمة، التي أدت، في النهاية، بمصر إلى عقد صفقة الأسلحة الأولى مع الاتحاد السوفييتي، سبتمبر 1955، تلك الصفقة التي قدر لها أن تكون ذات آثار بعيدة المدى، ومتعددة بالنسبة إلى مصر نفسها وللعالم العربي أجمع.

بعد عام وشهر -تقريبًا من لقاء عبدالناصر وشوين لاي- جاء الاعتراف المصري بالصين.

ووفقًا لزينب عيسى عبدالرحمن، فإن وكيل الخارجية المصرية، حسين عزيز، استدعى سفير الصين الوطنية “فرموزا”، دكتور هوفنج شان، وكان عميدًا للسلك الدبلوماسي الأجنبي بالقاهرة، صباح يوم السابع عشر من مايو 1956، وأبلغه قرار سحب مصر الاعتراف بحكومته، وتم إنزال علم الصين الوطنية من فوق مبني سفارتها التي أغلقت للأبد.

تذكر زينب عيسي عبدالرحمن، أن الحكومة المصرية عللت قرارها بعدة أسباب من بينها: إدراك الحكومة المصرية أن حكومة الصين الشعبية الحالية هي الحكومة الشرعية للصين، وأنها تمثل بلدًا عدد سكانه 600 مليون نسمة، أي ربع سكان العالم، منهم 50 مليون مسلم، ولا يمكن تجاهلها، فهي دولة قائمة وحقيقة ثابتة، واشتراك الصين في مؤتمر باندونج، الذي كان من أهم قراراته تصفية الاستعمار ومنح الشعوب حق تقرير المصير، واعتراف أكثر من عشرين دولة بها، منها دول غربية كبريطانيا، التي تتاجر وتبيعها مواد إستراتيجية بغير رضا حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك إسرائيل ربيبة الأخيرة، وأن الصين تقف موقفًا عدائيًا ومعارضًا لكل الأحلاف والتكتلات العسكرية وهي الأهداف نفسها، التي تسعى إليها مصر.

يرى محمود عوض أن هناك سببًا مهمًا كان غير معروف وظهر فيما وراء هذا الاعتراف وهو وفقًا لقوله: كان الدافع هو المصلحة الوطنية.

كان قرار تأميم شركة قناة السويس، في 26 يوليو 1956- يختمر سرًا في العقل السياسي المصري، ومن بين حساباته، التداعيات المتوقعة للقرار دوليًا، وفي مقدمها، احتمال لجوء فرنسا وبريطانيا وحلفائهما إلى فرض حصار اقتصادي ضد مصر سيكون من أول أسلحته، الامتناع عن شراء محصول القطن الذي كان في حينها المصدر الرئيسي للحصول على العملات الصعبة، وبالتالي، كان الاستعداد بالبدائل تفكيرًا حصيفًا من السياسة المصرية.

kgaballa@ahram.org.eg

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.