كمال جاب الله يكتب: احتفاء ياباني مهيب بالدبلوماسية المصرية

124

على مدار عقدين، تقريبًا، حضرت في طوكيو والقاهرة، العديد من مناسبات التكريم الإمبراطورية اليابانية، للشخصيات المصرية، الفذة، بتتويجها جائزة وسام الشمس المشرقة، النجمة الذهبية والفضية، إلا أن احتفاء يوم الثلاثاء الماضي جاء مختلفًا.

وسام الشمس المشرقة يمكن وصفه –مجازًا- بـ “جائزة نوبل اليابانية”، الذي يمنح باسم الإمبراطور، ومنذ تقرر منحه في عصر الـ”ميجي” سنة 1875، يمنح تكريمًا لمن قاموا بإنجازات بارزة في العلاقات الدولية، ونشر الثقافة اليابانية، ويجري ترتيب منح الوسام بواسطة مكتب تابع لرئيس مجلس الوزراء الياباني.

منذ أكثر من 14 عامًا، تلقيت الدعوة لحضور مراسم التتويج الإمبراطورية في العاصمة، طوكيو، لإثنين من الرموز المصرية، هما: الدكتور إسماعيل سراج الدين، أطال الله في عمره، ورجل الصناعة المصري الراحل عبدالمنعم سعودي.

تلك كانت هي آخر مرة – حسب معلوماتي- تجري فيها مراسم التتويج بالجائزة في طوكيو، لفائزين بها من المصريين، حيث ضمت القائمة -فيما بعد- سفراء مثل: محمود كارم ونبيل فهمي ومرفت التلاوي ووهيب المنياوي وفايزة أبوالنجا وهشام الزميتي، وأخيرًا، هشام بدر، ومن الأكاديميين: فاروق إسماعيل، ومن الرياضيين: لاعب الجودو محمد رشوان، ومن الوزراء السابقين: زاهي حواس وخالد العناني.

حضرت مراسم التتويج، التي جرت بدار سكن السفير الياباني بالقاهرة في عام 2018، للسفير محمود كارم، ورويت –في مقال ببوابة الأهرام وقتها، شهادتي، بحكم عملي مراسلا لـ “الأهرام” بطوكيو، على الجهد الاحترافي المميز، والفريد، الذي كان يقوم به كارم في اليابان، وتحديدًا، ولادة ونشأة وفكرة إقامة المتحف الكبير.

في مقدمة المقال، ذكرت أن الاحتفاء بمنح وسام الشمس المشرقة، النجمة الذهبية والفضية لهذا العام (مساء الثلاثاء الماضي- 11 أكتوبر 2022) جاء مختلفًا، لماذا؟
باختصار، لأن المحتفى به هو السفير هشام بدر، اسم معروف جدًا لدى كل الأوساط اليابانية، منذ بداياته الدبلوماسية باليابان: 1985- 1990، وحتى بعد انتهاء فترة خدمته كسفير بطوكيو: 2003- 2007، تاركا بصمة لدبلوماسي مصري محترف، تتلمذ على أيدي الكبار، ويمتلك العديد من المؤهلات الشخصية والمهنية والملهمة.

أيضًا احتفاء مختلف، لأن المصادفة جمعت بين المحتفى به، بدر، والسفير الياباني بالقاهرة، أوكاهيروشي، الذي تولى مراسم التتويج بالوشاح والوسام، نيابة عن إمبراطور اليابان، ناروهيتو، وكان “أوكا سن” -هو نفسه- مسئولا عن الملف المصري، بوزارة الخارجية اليابانية، في أثناء خدمة بدر كسفير لمصر بطوكيو.

بالتالي، تبارى السفيران، بدر وأوكا-في كلماتهم بمناسبة الاحتفال- الكشف عن بعض الترتيبات والحوارات الثنائية، التي كانت تجري في الكواليس، وربما كانت خافية عني بحكم وظيفتي كمراسل لـ الأهرام، وفي أثناء مهماتي المتتالية لليابان.

مهمتا السفير هشام بدر في بلاد الشمس المشرقة، كعضو في السفارة وكرئيس للبعثة، أتاحتا له فرصة للالتقاء باثنين من أباطرة اليابان. المرة الأولى، بين عامي 1985-1990، مع الإمبراطور هيرو هيتو، ويصف بدر اللقاء بقوله: “بالرغم من أن المقابلة لم تستغرق سوى دقائق معدودة، إلا أن هذه الدقائق أمام شخصية تاريخية ويابانية عظيمة، كان لها أثر كبير في نفسي، وما زلت أذكرها حتى الآن”.

المرة الثانية، مع الإمبراطور أكيهيتو، لدى تقديم أوراق اعتماده كسفير لمصر في طوكيو عام 2003، والثالثة، جرت في أثناء تفقد العاهل الياباني، الوالد، وقرينته ميتشيكو، للجناح المصري المهيب، بالمعرض الدولي إكسبو آيشي 2005 باليابان.

وقتها، حضرت مراسم استقبال، وتفقد، الإمبراطور الياباني، وقرينته، للجناح المصري، الذي جرى تصميمه على الطريقة الفرعونية، وشاهدت–بعيني- حجم انبهار العاهل الياباني، وقرينته، ومدى اهتمامهما بالحضارة المصرية القديمة، وبالمعروضات المصرية الحديثة، والأهم، رأيت حجم إعجابهما، واندهاشهما، وهما ينصتان –باهتمام- لشرح السفير، هشام بدر، متحدثًا باللغة اليابانية، التي يتقنها.

أيضًا، وفي لفتة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات المصرية – اليابانية، سمح لي موقعي كمراسل لـ”الأهرام” أن أشهد أول زيارة يقوم بها رئيس لمجلس الوزراء الياباني، كويزومي جونيتشيرو، لدار سكن سفير مصر بطوكيو، تلبية لدعوة وجهها له السفير بدر، تبعتها زيارة أخرى لدار سكن السفير، قام بها رئيس الحكومة، آبي شينزو، “حاملين مشاعر صداقة ومودة، ورسالة قوية بشأن محورية الدور المصري، والآفاق -غير المحدودة- للتعاون بين مصر واليابان”.

شاءت ظروف متابعتي -عن قرب- لملف العلاقات المصرية-اليابانية أن أشهد الدور الذي بذله -بكل قوة- السفير هشام بدر، لإنشاء جامعة يابانية للعلوم والتكنولوجيا في مصر، لنقل الخبرة اليابانية المتقدمة للشباب، وتصبح شعاعًا من النور للأجيال.

يقول السفير بدر: “ربما أكثر ما تأثرت به في المسيرة الطويلة، منذ بداية عملي في اليابان عام 1985، هو عمق وثراء الثقافة اليابانية الفريدة، وقد شعرت أن أفضل السبل لاستفادة مصر من هذه الثقافة، تكمن في نقل أساليب التعليم اليابانية، التي هي سر تقدم وتحديث اليابان، ونهضتها الشهيرة”.

يضيف: “أتذكر جيدًا حواراتي مع المسئولين -اليابانيين والمصريين- وخاصة مع رئيس مجلس الوزراء الأسبق كويزومي، والسيدة أوجاتا صاداكو، الرئيسة السابقة لوكالة التعاون الدولي اليابانية، جايكا، مؤكدًا رسالة مصر الواضحة، بأهمية أن تكون لليابان مؤسسة أكاديمية -رفيعة المستوى- في قلب العالم العربي”.

يوضح السفير بدر: “السفير أوكاهيروشي، سفير اليابان الحالي في القاهرة، كان يعمل، وقتها، كمدير لإدارة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية اليابانية، ولعب دورًا حيويًا معي في إنجاز فكرة إنشاء الجامعة اليابانية للعلوم والتكنولوجيا في مصر، هذا الصرح غير المسبوق خارج أرض اليابان”.

أيضا، يقول السفير بدر: ” كان لي الشرف بالتعاون مع السفير أوكا- كذلك- للدفع بمشروع المتحف المصري الكبير، الذي تم النص عليه في بيان رسمي خلال زيارة آبي لمصر عام 2007، لتصبح دار الأوبرا والمتحف الكبير والجامعة اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، ثلاثة أعمدة رئيسية لجسر الصداقة المصرية- اليابانية”.

يختتم قائلا: “اليوم وأنا أتوج بوسام الشمس المشرقة، من الإمبراطور ناروهيتو-الذي تربع على عرش الأقحوان، ودشن عصره الجديد، باسم رييوا، في أول شهر مايو عام 2019-أشعر بتتويج لمسيرتي الدبلوماسية، وعلاقتي الوثيقة باليابان”.
kgaballa@ahram.org.eg

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.