شيكاجو… «1»

حين تنتهي من قراءة الرواية تدرك ان أمريكا ليست جنة الله في أرضه التي يحلم معظم شباب العالم الثالث بالهجرة إليها، والاستمتاع بدولاراتها وحريتها وديمقراطيتها

بقلم / أسامة ابوزيد :

انتهيت في يومين من قراءة رواية “شيكاجو” للروائي د. علاء الأسواني والتي استعرتها من مكتبة الصديق العزيز الأستاذ الحسيني محمد (أبوطارق). الرواية تتجاوز ال 450 صفحة من القطع المتوسط، وتتناول جانبا من حياة نخبة من المصريين المقيمين في مدينة شيكاجو، بعضهم أساتذة في كلية الطب بجامعة إلينوي، وبعضهم طلبة يدرسون الماجستير أو الدكتوراه في الكلية ذاتها، إلى جانب بعض الشخصيات الأخرى المصرية والأمريكية.

حين تنتهي من قراءة الرواية تدرك ان أمريكا ليست جنة الله في أرضه التي يحلم معظم شباب العالم الثالث بالهجرة إليها، والاستمتاع بدولاراتها وحريتها وديمقراطيتها.

فكارول ماكنيللي شابة جميلة سوداء، تفصل من المول الذي تعمل به هي وزميلة أخرى سوداء بعد قدوم مدير جديد أبيض عنصري. يرفض أصحاب المطاعم والبارات استقبالها، وإذا استقبلوها يعاملها الجرسونات البيض ببرود ووقاحة، تتلقى تعليقات جارحة من السكارى في الشوارع. فشلت في الحصول على عمل محترم حتى لو كان مرافقة لكلب.

أما الدكتور رأفت ثابت الأستاذ في كلية الطب بجامعة إلينوي، وصاحب القامة الفارعة والجسد الرياضي الممشوق فهو ناقم على مصر، ويرى أن المصريين لا يصلحون للعمل في أماكن محترمة، نظرا لعيوبهم الكثيرة والفادحة كالجبن والنفاق والكذب والمراوغة والكسل والعشوائية والفهلوة.

أبوه محمود باشا ثابت، صاحب مصانع زجاج أممها الرئيس جمال عبدالناصر، فهاجر الابن رأفت إلى أمريكا، واستقر في شيكاغو منذ اكثر من ٣٠ عاما. تزوج ممرضة وحصل على الجنسية الأمريكية، لا يتحدث العربية مطلقا بل يفكر بالانجليزية.

يحب أن يكون أمريكيا حقيقيا كاملا. يعتز بكل ما هو امريكي، ويحتقر كل ما هو مصري.وأما الدكتور محمد صلاح، وهو أيضا استاذ في كلية الطب بجامعة إلينوي، وأقرب الأصدقاء للدكتور رأفت، وزميله في نفس قسم الهيستولوجي، أصلع، أسمر، مصري الملامح تماما، فيؤمن بأن المصريين لا يصلحون للديمقراطية.

أحب في شبابه الطالبة زينب رضوان، طلب منها ان تهاجر معه إلى امريكا، فطلبت منه البقاء في مصر، ومشاركتها النضال ضد النظام المستبد. أصر على الهجرة، وأصرت على البقاء، واتهمته بالجبن. يحتفظ بمسدس من طراز بيرتا، اشتراه عندما قدم الى شيكاجو.

تزوج عاملة امريكية في بار، وحصل على الجنسية الأمريكية، ولم ينجب.ويتطرق الأسواني إلى نهايات الثلاثة؛ إذ تجد كارول عملا في الإعلان عن الملابس الداخلية، تتفوق فيه، فيطلب صاحب الشركة التي تعمل بها لقاءها، وتبيع له جسدها مقابل توقيع عقد بمبلغ كبير، وحين يعلم بخيانتها الأستاذ بكلية الطب بجامعة إلينوي جون جراهام، والذي كانت تعيش معه هي وطفلها دون زواج، يطردها.أما الدكتور رأفت، فتهاجمه ابنته الوحيدة سارة، وتتهمه بالفشل، وأنه لم يفلح في أن يكون أمريكيا.

تترك المنزل لتعيش مع صديقها الأمريكي في حي فقير. تدمن المخدرات، وتنتهي حياتها بجرعة زائدة.في حين يدفع الحنين لمصر الدكتور صلاح إلى الاتصال عبر الهاتف بزينب، أراد ان يؤكد لها أنه ليس جبانا كما اتهمته، فيحاول أن يستغل إلقاءه بيانا في القنصلية المصرية باسم المصريين في شيكاجو أمام رئيس الجمهورية الذي يزور امريكا، ليصفه بالديكتاتورية ويطالبه بالتنحي، لكن شجاعته تخونه، فيلقي بيانا يمدحه فيه، ويؤكد له سير المصريين على خطاه.يختفي د. صلاح، فتبحث عنه زوجته التي اتفق معها على الطلاق، تجده بمكتبه غارقا في بركة من الدماء بعد أن انتحر بمسدسه البيرتا.

يبقى معنا الدكتور ناجي عبدالصمد الذي جاء إلى أمريكا مبتعثا لدراسة الماجستير. يعشق الشعر، وأصدر ديوانين في مصر، أراد نيل الماجستير ليعمل به في دول الخليج، ويجمع قدرا كافيا من المال ثم يعود إلى مصر ويتفرغ للادب والشعر. رفضوا تعيينه معيدا بجامعة القاهرة نظرا لنشاطه السياسي.

وكانت نهايته أن اعتقلته المباحث الفيدرالية الامريكية، بالتنسيق مع المخابرات المصرية، وعذبوه واتهموه بالتبعية لخلية تخطط لعمليات إرهابية في أمريكا، وهددوا باغتصابه، ان لم يعترف، كما يحدث مع المعتقلين في مصر.

“شيكاجو”، رواية مهمة لعلاء الأسواني، تحتاج ممن يفكر في الهجرة إلى أمريكا أن يقرأها مرة واثنتين وثلاثا…

0
التخطي إلى شريط الأدوات