«سوجا» مرآة لعصر جديد في اليابان

كمال جاب الله

بقلم / كمال جاب الله :

في مقالي قبل الأخير، أشرت إلى التكريم المصري المستحق الذي ناله رئيس حكومة اليابان السابق، شينزو آبي، بإطلاق اسمه على المرحلة الثالثة الجديدة من مجمع الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا E-JUST، وطرحت سؤالا كان، ولا يزال، يتردد – بإلحاح- بين الأوساط اليابانية ومفاده هل يعود آبي لرئاسة حكومة اليابان من جديد ؟

على مدار الأسابيع الأخيرة، وبالتحديد، منذ تولي يوشيهيدي سوجا، دفة الحكم في اليابان، تتبعت- عن قرب- الاتصالات التي أجراها الرجل مع قادة العالم، وكذلك اطلعت على تحليلات صحفية لخبراء يابانيين، تناولت بداياته المتواضعة، وسيرته العصامية، التي جعلته يبدو مختلفا- إلى حد ما- عن أي سياسي سبقه في رئاسة مجلس وزراء اليابان.

التحليلات الأولية لم تنصف السيد سوجا، واعتبرته مجرد مرحلة انتقالية حتى تجرى انتخابات جديدة لرئاسة الجزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في غضون عام، مستندة إلى عدم تمتع خليفة شينزو آبي ب الشخصية الكاريزمية ، ونعته بالغموض والضعف، وأنه من الصعب للغاية معرفة ما يفكر فيه، أو محاولة قياس دوافعه، في مرحلة حالية صعبة جدا تمر بها بلاد الشمس المشرقة على جميع الأصعدة والمستويات.

أيضا، جرى تداول تحليلات مفادها أنه أولى اهتمامات سوجا سوف تنصب على تعزيز المناطق الاقل حضرية في اليابان ، “وربما يشعر بطموح مشابه لما شعر به عندما وصل لتوه إلى محطة “اوينو” شمالي طوكيو، قادما من المدرسة الثانوية في محافظة أكيتا، وحاملا أمتعته بحقيبة يد واحدة.

ويرى التحليل أن القطارات التي تصل إلى طوكيو قادمة من الشمال تحمل معها ذكريات عن مساقط رؤوس ركابها الذين يتدفقون إلى العاصمة بحثا عن مستقبلهم”.

طوال الفترة التي أمضاها كبيرا لأمناء مجلس الوزراء (نحو 8 سنوات) لم يلمع نجم السيد سوجا ويكتسب شهرة واسعة ويطرح اسمه لخلافة آبي إلا عندما بشر اليابانيين بإطلاق اسم “رييوا” على العصر الجديد الذي بدأ في أول مايو 2019.

في يوم 29 سبتمبر الماضي، قرأت في موقع اليابان بالعربي nippon. com مقالا للكاتب الصحفي، تاسي ياسوهيرو، بعنوان: أبناء الطبقة الكادحة يصلون إلى أعلى المناصب السياسية في اليابان، يؤكد فيه أن سمعة سوجا وبداياته كرجل عصامي أثارت اهتمامات الناس بدرجة لا تصدق وأن شعبيته قد تفوق توقعاته هو شخصيا.

كمراقب للشأن الياباني، أرى أن توقعات الكاتب الصحفي الياباني، تاسي ياسوهيرو، في حالة دقة رصدها لمجريات الأمور والمتغيرات التي تشهدها بلاده، من الممكن أن تقلب تخمينات وتنبؤات- مسبقة- رأسا على عقب، صاحبت ولاية سوجا، بشأن مدة بقائه في الكرسي، ومدى كفاءته وقدرته في إدارة شئون الحكم، وبالتالي، يتبدد شبح عودة آبي للرئاسة، ويحقق سوجا شعبية قد تفوق توقعاته هو شخصيا.

تتضمن السيرة الذاتية للسيد يوشيهيدي سوجا أنه ولد في عام 1948، ونشأ في إحدى مزارع الفراولة بمحافظة أكيتا، وبصفته الابن الأكبر كان من المتوقع أن يتولى أعمال العائلة، لكن بدلا من ذلك تحدى رغبات والديه ورحل إلى طوكيو، بعد أن عمل في مصنع للكرتون، ودرس في مدرسة ليلية، وسجل بداياته السياسية كسكرتير سابع لعضو في مجلس النواب.

في هذه الوظيفة، كان معروفا عن سوجا أنه لا يقدم على فعل من شأنه أن يزعج رئيسه، ونجح في الترقي ليصبح رئيسا للموظفين، وتمتع بشبكة علاقات واسعة.

اسم سوجا نفسه مثير للاهتمام، فهو يشير إلى نبات البردي، وهو نبات ليفي شبيه بالعشب، يسمى سوجه باللغة اليابانية، وينمو في أماكن المستنقعات، يعرف الكثير من اليابانيين النبات من أغنية شعبية شهيرة اسمها “تشاتسومي” تأتي على ذكر “قبعة” منسوجة من نبات البردي.

يقول الكاتب تاسي ياسوهيرو: “هناك تناقض كبير بين خلفية سوجا وخلفية معظم شخصيات النخبة السياسية في اليابان، الذين ولدوا في كنف أسر ثرية، ودرسوا في الخارج، قبل أن يصبحوا أعضاء في مجلس النواب، بمجرد أن يتولى هؤلاء المنصب، يصبحون عرضة للمعاناة من “متلازمة السياسة”، حيث يسلبهم افتقارهم للخبرة العملية، وعدم المامهم بأخلاقيات العمل السياسي، القدرة على التأثير وإحداث فرق حقيقي، ولطالما كان سوجا متواضعا، وغير مسرف في حياته المهنية والشخصية، مما يضعه على طرف نقيض من طيف واسع من النخبة السياسية التي تشتهر بالبذخ”.

ينسب الكاتب لأحد الأعضاء المخضرمين بالبرلمان الياباني والمقربين من رئيس الحكومة الجديد، أن سوجا يمتلك القدرة على أن يصبح سياسيا ذا شعبية تفوق إدراكه، ولا يوجد شخص في مثل قوة إرادته، ولا يتراجع أبدا، وقادر على التصرف بشكل سريع وفقا لمقتضيات الموقف، وأنسب وصف لشخصية سوجا المثالية هي “لا تستسلم أبدا”.

يقول الكاتب: “لا يمكن وصف أي من رؤساء مجلس وزراء اليابان خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بأنه يتمتع بخلفية “عادية” ربما استثناء كاكوي تاناكا الذي صعد إلى أعلى منصب في الدولة بعد بداياته المتواضعة في محافظة نيجاتا، لكن تاناكا وعلى عكس سوجا كان يقود فصيله الخاص، وكان رجل أعمال، إضافة إلى كونه هو نفسه من الأثرياء”.

يختتم الكاتب الصحفي الياباني تاسي ياسوهيرو تحليله القيم بقوله:

“لدي شعور بأن بساطة سوجا قد تكسبه شعبية كبيرة بين الأسر اليابانية”، بينما يشير الكثيرون إلى أن حكومته لن يسعها إلا اتباع الخط الذي حدده سلفه شينزو آبي، لكنني أعتقد أن العكس هو الصحيح، فمع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية للحزب الليبرالي الديمقراطي في شهر سبتمبر 2021 لا شك في أن سوجا واثق من قدرته على تعزيز موقعه والبقاء على رأس السلطة.

كما أن توليه المنصب الأعلى في اليابان سيسهم في تغيير الصورة النمطية للسياسيين، وقد يشجع الشباب العاديين، الذين لا ينحدرون من عائلات عريقة سياسيا، وليست لديهم صلات إقليمية، على اقتحام المجال السياسي، ومن ثم تغيير واقع سياسي يسيطر عليه السياسيون بالوراثة.

كمال جاب الله

kgaballa@ahram.org.eg

0
التخطي إلى شريط الأدوات