بولتون وكيسنجر والصين واليابان

أمام هذه المعضلة أو المواجهة غير المستحبة بين واشنطن وبكين

بقلم / كمال جاب الله :

منذ أيام قليلة، قرأت تصريحًا منسوبًا لمستشار الأمن الأمريكي السابق، جون بولتون ،  يتحدث فيه عن إمكان لجوء الرئيس دونالد ترامب الى تغيير سياساته تجاه الصين ، 180 درجة في حال أعيد انتخابه.

هذا التصريح ذكرني بوقائع مؤتمر صحفي للسيد بولتون، حضرته بصفتي مراسلا لـ”الأهرام” في العاصمة اليابانية طوكيو ،  بمقر السفارة الأمريكية، في صباح يوم 23 يوليو عام 2004، وكان بولتون – وقتها – يشغل منصب مساعد وزير الخارجية لشئون الأمن ونزع الأسلحة، وكان مشهودًا له بالتطرف الشديد في مواقفه.
 
أذكر أنني توجهت بسؤالين للسيد بولتون انصبا على مجريات محادثات سداسية دولية كانت تنظم بقوة – وتوقفت بكل أسف – بخصوص إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي وتحقيق الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الملتهبة من العالم.
 
الدبلوماسية الأمريكية كانت في قمة نشاطها في يوليو 2004، لتحقيق إنجازات خارجية ملموسة في عدد من الملفات، وعلى رأسها، ثلاث، تحت عنوان محور الشر هي: حكومات كوريا الشمالية وإيران والعراق، لتوظيف نتائجها ضمن الحملة الانتخابية التي كان يخوضها الرئيس جورج بوش ، للفوز بدورة رئاسية ثانية.

ما أشبه الليلة بالبارحة، فنحن على أعتاب انتخبات رئاسية امريكية جديدة يتطلع الرئيس دونالد ترامب للفوز بها، بأي ثمن، حتى ولو وجه كل سهامه الفتاكة إلى محور شر جديد ووحيد – من وجهة نظره طبعًا – ألا وهي الصين.

من المؤكد أن السيد جون بولتون ، كان في وقت من الأوقات هو الأقرب إلى قلب وعقل الرئيس ترامب، ليس – فقط – للتشابه في مواقفهما السياسية المتطرفة والمتشددة، إلى حد يمكن وصفه بالجموح، ولكن – أيضا – بحكم تمرسه الدبلوماسي والمهني بالخارجية، وكمندوب دائم لأمريكا في منظمة الأمم المتحدة بنيويورك.
 
لذلك فقد أخذت التصريح المنسوب للسيد بولتون يوم الثلاثاء الماضي على محمل الجد، وهو يرد على سؤال حول رأيه بشأن مستقبل العلاقات بين واشنطن وبكين في حال فوز ترامب في انتخابات 3 نوفمبر المقبل، بقوله نصًا:
 
“أعتقد أن ترامب يمكن أن يغير سياسته 180 درجة، خلال الأشهر الستة الماضية انتهج ترامب سياسات عدائية تجاه الصين شملت: فرض العقوبات والتعريفات الجمركية وإغلاق القنصليات الصينية لكن إذا فاز، قد يهاتفه في اليوم التالي الرئيس الصيني  شي جين بينج، ليقترح العودة إلى المفاوضات حول الصفقة التجارية، ويمكن لـ ترامب أن يقول بسهولة: “أنت على حق”.. وقد يؤدي الأمر إلى رفع العقوبات وإزالة الحواجز التجارية واستئناف عمل القنصليات”!!
 
في مقال منشور بـ”بوابة الأهرام” في يوم 14 سبتمبر الماضي، نقلت تحليلًا لأحد الخبراء السياسيين اليابانيين المرموقين، البروفيسور ساهاشي ريو، وجه فيه إصبع الاتهام مباشرة لواشنطن بأنها كانت البادئة في تدهور العلاقة مع بكين، وقوله نصًا: “تبدلت سياسات واشنطن تجاه الصين بشكل ملحوظ في عام 2018، ونرى مؤشرات ذلك حتى قبلها، كما ظهر في الذكر المتكرر للصين على أنها منافس في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في ديسمبر 2017”.
 
أمام هذه المعضلة أو المواجهة غير المستحبة بين واشنطن وبكين، التي تسببت في حبكتها الإدارة الأمريكية، ماذا يرى ثعلب الدبلوماسية الأمريكية، هنري كيسنجر، وهو يحذر من بوادر حرب عالمية جديدة، لا قدر الله؟
 
رأى كيسنجر أن الوقت قد حان لتدرك الولايات المتحدة المتغيرات في العالم الحديث، وهي أمور لفت إلى أنها معقدة للغاية، بحيث لا يمكن لدولة واحدة أن تستمر في الحفاظ على هيمنتها؛ سواء في الاقتصاد أو في المجال الإستراتيجي.
 
قال كيسنجر: حتى لا نرى أنفسنا في وضع مشابه للحرب العالمية الأولى، يجب أن ترسم واشنطن وبكين حدود المواجهة، مؤكدًا أن الصراع بين الولايات المتحدة وكان بسبب ظهور تقنيات جديدة غيرت المشهد الجيوسياسي، ووصف النزاع الراهن بين البلدين يمكن أن يسمى حربًا باردة جديدة.
 
من جانبها،الصين تتعامل مع الإجراءات العدائية الأمريكية الأخيرة بكل هدوء واتزان، مؤكدة أنها ليست مرتاحة ولا مؤيدة ولا مرحبة بما يتردد عن إمكان نشوب حرب باردة جديدة، أو تحت أي مسمى، وليس لديها طموح في السعي نحو الهيمنة، ناهيك عن أن تحل محل الولايات المتحدة، ومع ذلك ستعمل بكين بحزم على حماية سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية.
 
ردًا على ما وصفه بحملة لنشر الشائعات بخصوص مسئولية الصين عن نشر مرض كورونا الجديد، وإثارة مواجهة لغرض يتعلق بسياسة الولايات المتحدة الداخلية، أكد داي بينج، نائب المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة: “إنه من غير المجدي وغير المسئول تشويه سمعة الصين ،  وإلقاء اللوم عليها في جائحة (كوفيد- 19)، قائلًا: “لقد احتوت الصين المرض بينما في الولايات المتحدة تجاوز عدد الحالات المؤكدة 7 ملايين، وفي الأيام الأخيرة، ثبتت إصابة عشرات الأشخاص في البيت الأبيض، ومع وفاة 210 آلاف شخص بسبب المرض، فإن الحكومة الأمريكية تدين لشعبها بتفسير احتضان البلاد لأكبر عدد من الحالات المؤكدة والوفيات في العالم”.
 
أعود ثانية إلى طوكيو في محاولة فهم وتفسير مهام التكتل الإستراتيجي، غير الرسمي، للولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان، الذي جرى تداول عناوينه في أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع الأسبوع الماضي، وطبقًا لتصريح وزير الخارجية الياباني، توشيميتسو موتيجي: “تتفق الدول الأربع في هدف تعزيز النظام الدولي القائم على القواعد، وأن رؤية إبقاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة ستلعب دورًا رئيسيًا في تحقيق ذلك الهدف”، وأكد أهمية تضافر جهود الكثير من الدول في هذا الاتجاه.
 
إذا استبعدنا التصريحات العدائية للصين، التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، على هامش حضوره للاجتماع، فإن ما صدر عن الرباعي، في رأيي، جاء هادئًا، بشكل عام، ولعله ينسجم مع نداءات هنري كيسنجر بضرورة عدم التصعيد مع الصين  لغرض يتعلق بالسياسات الداخلية للولايات المتحدة، وكذلك يتوافق مع تنبؤات جون بولتون بإمكان تغيير سياسة ترامب تجاه الصين 180 درجة في حالة أعيد انتخابه.


 
kgaballa@ahram.org.eg

0
التخطي إلى شريط الأدوات