بالسُّم الهاري

أتى يبيع عمره لهم بالساعة تاركا بيته وأولاده خلفه.

أتى يبيع عمره لهم بالساعة تاركا بيته وأولاده خلفه.
بقلم / مجدي كامل .
عن الضيف الثقيل أتحدث ولا أعتقد أن هناك بيتا لم يستقبله فكل بيوتنا استقبلته مجبرة وفي تلك البيوت من أظهر نوعا من الحفاوة من وراء القلب وهناك من قدم مشروبا قام يعده لذلك الضيف وهو يجرجر في قدميه ويلعن الظروف التي أجبرته على استقباله ومنَّى نفسه أن يقول له بالسم الهاري .
والغريب أن أهل البيت هم الذين سعوا لاستضافته واتصلوا به مرارا ليوافق على زيارتهم وإن غاب عنهم أو اعتذر مرة ضاقوا وغضبوا واتصلوا به ليطمئنوا وليعرفوا سبب غيابه وهم بين نارين .
نار الرغبة في ألَّا يروا وجهه ثانية والأخرى نار الاضطرار على فتح بيوتهم له وهم مستعدون لتحويل كلامهم همسا ولإطفاء تلفازهم أو مذياعهم تهيئة لجلسته ومستعدون لإخلاء المكان له يُعلي صوته إن شاء ويخفضه متى أحب .
الضيف الثقيل أتى وأسكت الجميع ولم يتحدث في حضرته أحد إلا بإذنه وأخذ مالا في نهاية زيارته ومشى على وعد بتكرار الأمر أسبوعيا .
تلك النظرة له هي العامة ولكن ذلك لم يمنع أن هناك من المثقفين من رآه في صورة أخرى تختلف كل الاختلاف فاحترم وجوده وأعلى من شأنه مقتنعا بدوره وقدَّس هذا الدور وفتح البيت مُرحِّبا فعلا وأعطاه ماله راضيا كل الرضا وهو يرى أنه لم يعطه حقه .
هناك نظرتان للمعلم إحداهما الأولى حتى ولو كان هذا المعلم قد ملأ قلمه من دمه وأتى يبيع عمره لهم بالساعة تاركا بيته وأولاده خلفه .
فكل معلم يعلم أن أولاده في حاجة لوجوده ليعلمهم كيف ينطقون وكيف يتعاملون ومما يخافون وكيف يعطون لله حقه ولكنه تركهم للأم لتكون أُمَّا و أبا وليكون هو آلة المال .
فنراه عائدا لا يملك إلا لغة الإشارة فقد سئم الكلام طوال يومه شاعرا أن ماكينات النطق قد تعطلت والريق جف والحلق سُدَّ .
الاثنان مظلومان ؛ فولي الأمر يسأل عن الذنب الذي اقترفه ليقتطع من قوت أولاده ليعلمهم ويدفع للزائر الأسبوعي ، ومعلم ألقت به الأقدار في مجتمع تقاعس عن توفير العيش الحلال له ولأولاده فخرج ليدور في الساقية ليعلم أولاد الناس ويأتي لأولاده بمن يعلمهم .
فالمعلم ولي أمر هو الآخر يستقبل في بيته المعلمين كما يستقبله الناس ولديه أولاد يحتاجون ملبسا ومأكلا ومشربا وعلاجا وتعليما وأهم من ذلك كله يحتاجون الأب الذي غاب فصار مغتربا في وطنه .
يزور بيته ليأكل وينام ليستيقظ ليوم جديد وما أشبه الليلة بالبارحة فهو يعيش شهره وقد وضع الكربون بين أيامه فتطابقت .
آلاف من المعلمين اشتغلوا وألَّف لهم أولياء الأمور قصصا ادَّعوا فيها الفقر ليتهربوا من دفع حقوقهم .
آلاف من المعلمين فاضت أرواحهم في بيوت الطلاب وحًملوا إلى بيوتهم وخرجت أنفاسهم الأخيرة مع معلومة لأبنائكم .
وكما هناك معلمون جانحون ارتضوا المال الحرام وبخلوا بعلمهم ودفعوا طلابهم لدرس إجباري فهناك معلمون تقاضوا الأجر ولهم أجر آخر عند الله
إن المعلمين الذين تكرهون دخولهم بيوتكم هم أيضا يكرهون دخول المعلمين بيوتهم ويتمنون اليوم الذي يعود فيه التعليم للمدرسة فقط ومع أنتهاء اليوم الدراسي يعودون لبيوتهم معززين مكرمين لا يمدون أياديهم لطلابهم .
إذا أردتم تعليما يحفظ بيوتكم من ضيوف لا ترغبون فيهم فلابد من إكرام المعلمين وأن تعيدوا لهم ولذويهم المكانة التي يستحقونها.
تلك كلمة أقولها مع عام دراسي جديد تدور فيه السواقي و الماء بعيد المنال .

10+
التخطي إلى شريط الأدوات