“الفوليك” .. لأجنة عفية دون تشوه

18

تم دمج حمض الفوليك في الطعام القائم على الحبوب، ليكون عنصرًا أساسيًا من مكوناته في الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي؛ لمنع تشوهات الأنبوب العصبي عند الأجنة، كما أنه يقلل من إمكانية حدوث أمراض نفسية عديدة، مثل الفُصام أو ما يعرف (بالشيزوفرينيا)، والتي يمكن أن تبدأ أعراضها في الظهور في بداية مرحلة البلوغ. وجد الفريق البحثي من مشفى (ماساتشوستس) العام (MGH)، عند دراستهم لصور لأدمغة طلاب ولدوا قبل حدوث ذلك الدمج وبعده والمقارنة بينهما، أن زيادة تعرض الجنين لحمض الفوليك في رحم الأم نتج عنه تغيرات لاحقة في تطور المخ لديه. وقد أوضحت هذه التغيرات بدورها أنها يمكن أن تقلل من احتمالية الإصابة بالذُهان وظهور أعراضه.
يقول (جوشوا روفمان) من قسم الطب النفسي بالمشفى:

إن العديد من الأمراض النفسيّة كالتوحد والفُصام التي تصيب الأطفال والشباب مُدمرة ومُزمنة ولا يوجد لها علاج أو وقاية حتى الآن، ويُعتقد أن هذه الأمراض تبدأ منذ أن كان الجنين في رحم الأم، لذلك نركز جهودنا في هذه الناحية، فإن كان  يمكن منع جزء ولو صغير من تلك الحالات من خلال تدخُّل بسيط وسهل أثناء الحمل، فإن ذلك يمكن أن يكون تحولًا في مسار الطب النفسي، كما كانت اللقاحات للأمراض المعدية أو استخدام الفلوريد في طب الأسنان. إن نتائجنا مع حمض الفوليك تأخذ مسارًا مهمًا في ذلك المجال.

نادت إدارة الغذاء والدواء (FDA) عام 1996 بدمج حمض الفوليك في جميع مُنتجات الحبوب كالخبز والأرز والمعكرونة وقد تم ذلك بالفعل بحلول عام 1998.يُعرف حمض الفوليك بأنه يقلل من مخاطر الإصابة بتشوهات الأنبوب العصبي كتشققات العمود الفقري أو ما يُعرف بالسِّنْسِنَة المشقوقة (spina bifidia) حيث لا يُغلق العمود الفقري تمامًا حول الحبل الشوكي مما يؤدي إلى إعاقات خطيرة؛ لأن تشوهات الأنبوب العصبي يمكن أن تحدث قبل ظهور الحمل؛ يُنصح بتناول النساء المقبلات على الحمل مكملات حمض الفوليك، وتم استحداث إدخال حمض الفوليك في الطعام ودمجه به ليكون عنصرًا أساسيًا من عناصره؛ ليحمي الجنين بشكل واسع من أي مخاطر يمكن أن تصيبه. أدى ذلك الإجراء إلى تضاعُف سريع في مستويات حمض الفوليك في الدم عند السيدات و انخفاض معدل الإصابة بتشقق العمود الفقري في  الولايات المتحدة على نطاق واسع.
تَبَيَن أن سوء تغذية الأم أثناء الحمل تزيد من مخاطر الإصابة بحالات مرضية كالفُصام في الذرية، كما أظهرت دراسات حديثة تمت على المدى الطويل في بلدان عدة منها الولايات المتحدة أن تناول الأم لحمض الفوليك أثناء الحمل قبل الولادة يقلل من مخاطر الإصابة بالتوحد عند الأطفال بنسبة 50%. وعلى الرغم من هذا لم تتضمن أي من هذه الملاحظات أدلة بيولوجيّة يمكن أن تدعم العلاقة بين السبب والنتيجة بين التعرض لحمض الفوليك قبل الولادة وتطور هذه الاضطرابات النفسية. وفي إطار السعي  لمثل هذه الأدلة، استفاد الباحثون من «التجربة الطبيعية» التي وفرها  التنفيذ السريع للولايات المتحدة لعملية دمج حمض الفوليك في منتجات الحبوب في الفترة بين عامي 1996 و1998.
راجع الفريق البحثي مجموعتين من صور الرنين المغناطيسي للمخ أُخذت  لأطفال ومراهقين ولدوا في الفترة بين عامي 1993 و 2001 لأعمار تتراوح بين الثامنة والثامنة عشر، المجموعة الأولي هى صور لأدمغة طبيعية أُخذت ضمن إطار العناية الصحية ب 292 مريضًا في مشفى (ماسوتشستش) العام، والمجموعة الثانية تتضمن صورًا ل 861 مشاركًا في دراسة تمت من قبل (PNC) أو مايعرف بمبادرة تطوير علوم الأعصاب (بفيلادلفيا)، تضمَّنت الدراسة تقييمًا للأعراض النفسيَّة، بما فيها تلك المرتبطة بالاضرابات الذهانيَّة. قُسمت هاتين المجموعتين حسب احتمالية التعرض لحمض الفوليك قبل الولادة إلي أولئك الذين ولدوا قبل شهر يوليو عام 1996 عند بداية عملية الدمج وهؤلاء الذين ولدوا بعد يوليو 1998 بعد أن انتهت عملية الدمج بشكل كامل وآخرون ولدوا في الفترة بين بداية الدمج وإتمامه بشكل كامل وتلك هي الفئة التي تعرضت لحمض الفوليك بنسبة متوسطة قبل الولادة. مجموعة ثالثة من الصور ل 217 مشارك في دراسة دراسة أقيمت في مواقعٍ متعددة أجرتها معاهد الصحّة الوطنيَّة الأمريكيَّة (NIH) ولدوا قبل بدأ عملية الدمج تتراوح أعمارهم بين الثامنة والثامنة عشر.
أوضحت الصور التي تتبع مشفى (ماساتشوستس) العام و صور الدراسة التي تمت من قِبل مبادرة تطوير علوم الأعصاب (بفيلادلفيا)، أن الشباب الذين ولدوا بعد إتمام عملية تضمين حمض الفوليك بشكل كامل في كل منتجات الحبوب تعرضوا لتغيرات واضحة في تكوين القشرة المخيّة إذا ما قورنوا بالذين ولدوا قبل بدء البرنامج. هذه التغيرات ظهرت واضحة بوجود نسيج دماغي سميك وتأخر في ترقق القشرة المخيّة في المناطق المرتبطة بمرض الفُصام. أما عن  الذين ولدوا في الفترة بين بداية عملية الدمج وإتمامها بشكل كامل كانت سماكة القشرة المخيّة لديهم تتوسط المجموعتين الأخرتين. إن ترقق القشرة الدماغية في الطلاب أمر عادي كجزء من تطور المخ وغالبًا يرتبط ذلك بعمليات مختلفة كإزالة بعض العلاقات غير الضرورية بين الأعصاب ولكن أوضحت الدراسات السابقة العلاقة بين الترقق السريع والمبكر للقشرة وأمراض عدة كالفُصام أو ظهور أعراض الذهان.
أوضحت البيانات عن الأعراض النفسيّة المقدمة من مبادرة تطوير علوم الأعصاب (بفيلادلفيا)، أن تأخر ترقق القشرة  المُخيّة قد كان واضحًا تمامًا في المشاركين الذين تعرضوا لحمض الفوليك  بشكل كامل كما أدى ذلك إلى انخفاض خطورة الإصابة بالذُهان. أما عن صور المخ المأخوذه من معاهد الصحّة الوطنيَّة الأمريكيَّة والتي كانت لأطفال ومراهقين لم يتعرضوا لحمض الفوليك المدمج في الحبوب فلم تجد أي أدلة على تأخر ترقق القشرة كالذي ظهر واضحًا في المشاركين الذين تعرضوا لحمض الفوليك بشكل كامل، مما يدعم العلاقة بين التعرض لحمض الفوليك قبل الولادة وتأخر عملية ترقق القشرة الدماغية.
يقول (روفمان) -أستاذ مساعد في الطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد-:
إن نتائجنا قد ربطت بين تعرض الجنين لحمض الفوليك قبل الولادة والتغيرات الحادثة في نمو القشرة المخيّة وانخفاض خطورة الإصابة بالعديد من الأعراض النفسية ولكن لا يمكنها أن تربط بشكل مباشر بين تأثير حمض الفوليك وخطورة الإصابة بالفُصام وذلك لأن السن الاعتيادي لظهور الفُصام يكون في بداية العشرينيات ولكن بما أن الأعراض النفسيّة قد تتشابه في الشباب كالفُصام فإن النتائج تحمل بعض الأمل في الوقاية من الفُصام.
وأضاف (روفمان):
إن أكبر المشاركين عمرًا في دراستنا يقترب الآن من العمر الذي تزيد فيه احتمالية التعرض للعديد من الاضطرابات النفسية كاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب؛ لذلك ستكون فائدة عظيمة لنرى ما إذا كان التعرض لحمض الفوليك ذو تأثير على حدوث هذه الاضطرابات، كذلك ينبغي على الأبحاث المستقبلية البحث عن مدى ارتباط مستويات حمض الفوليك في الأم وتطور دماغ الجنين بعد الولادة وخطورة الإصابة بأمراض عقلية عديدة.
يضيف (روفمان) أيضًا:
إن 81 دولة تقوم حاليًا بعملية دمج حمض الفوليك في الإمدادات الغذائية، ولكن أكثر من نصف سكان العالم لازالوا يعانوا من نقص في تناول الحمض والتعرض له. إن النتائج الواضحة والقاطعة على أن حمض الفوليك قبل الولادة يمكن أن يكون له فوائد لصحة الدماغ بالإضافة لآثاره الراسخة في الوقاية من تشققات العمود الفقري قد يحفز البلدان التي لم تتبني بعد برنامج الدمج على القيام بتبنيه.


قد يعجبك ايضا
اترك رد

Your email address will not be published.